ولمَّا خرجوا من مِصْرَ أخرجوا معهم تابوتَ يُوسُفَ - عليه السَّلامُ - وَخَرَجُوا ليلًا، وَانْتَهَى بهم الطَّرِيقُ إلى ساحل البحر، فتنزَّلوا هنالك، وأدركهم فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ من المصريِّين وهم هنالك حُلُولٌ على شاطئ اليَمِّ.
فَقَلِقَ كَثِيرٌ من بني إسرائيل، حتَّى قال قائلُهم: كان بقاؤُنا بمصرَ أحبَّ إلينا من الموت بهذه البريَّةِ.
فقال موسى - عليه السَّلامُ - لمن قال هذه المقالة: «لا تَخْشَوْا؛ فإنَّ فِرْعَوْنَ وجنودَه لا يرجعون إلى بلدهم بعد هذا» .
أَمَرَ اللهُ موسى - عليه السَّلامُ - أن يضرب البَحْرَ بعصاه فجاز بنو إسرائيل البحر، وأتبعهم فرعون وجنودُه، فلمَّا توسَّطوه أَمَرَ اللهُ موسى فَضَرَبَ البحرَ بعصاه، فرجع الماءُ كما كان عليهم.
وقد شاهد بنو إسرائيل معجزات موسى - عليه السلام - وكان آخرُها معجزةَ نجاتهم وهلاك عدوِّهم، وكانت هذه المعجزاتُ كَافِيَةً لنزع رواسبِ الوثنيَّة من قلوبهم إلاَّ أنَّها كانت تعاودهم أحيانًا، ولقي موسى - عليه السلام - الأَهْوَالَ في سبيل رَدِّهِمْ إلى عبادة الله وَحْدَهُ.
ولمَّا جازوا البحرَ وذهبوا قاصدين إلى بلاد الشَّام بعدما رأوا الآياتِ البَاهِرَةَ من هلاك فرعون وفَلْقِ البحر وكيف نَجَّاهُمُ اللهُ، مَرُّوا على عَبَدَةِأَصْنَامٍ كما في قوله: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} .
الجَهْلُأنَّهم لم يعرفوا ما هم فيه من النِّعْمَةِ.
النِّعْمَةُ: كونُك تعبد ربَّك الَّذي خلقك، ورزقك، وبيده الحياة والموت، وبيده الأمر.
والكفر: أَنْ تَعْبُدَ من لا يخلق، ولا يرزق، ولا يدبِّر الأَمْرَ.
والجهلُ: أن تعبد مخلوقًا مثلك، هذا في غاية القبح والجهل.
فقد شاهدتم نهايةَ من عبد غيرَ الله ونهايةَ من عَبَدَ الله وكيف أَنْجَى اللهُ المُؤْمِنِينَ وَهَلاكَ الكافرين، ثمَّ تنصرفون عن إفراد الله بالعبادة إلى عبادة مخلوقاتٍ ليس لها من الأَمْرِ شَيْءٌ.
فقال لهم مبيِّنًا لهم أنَّهم لا يعقلون، ولا يهتدون: {نَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} .
مُتَبَّرٌ أَيْ: هالكٌ ما هم فيه؛ فلا نَفْعَ في العبادة، وباطل ما يعملون، أمَّا عِبَادَةُ الله فهي الحقُّ؛ لأنَّه هو الخالق.
وبيَّن لهم أنَّه لا تصلح العبادةُ إلاَّ لله وَحْدَهُ لا شَرِيكَ له؛ لأنَّه الخالقُ، الرَّازقُ، القهَّارُ، وليس كلُّ بني إسرائيل سأل هذا السُّؤَالَ؛ فالَّذين زعموا هذا بَعْضُ النَّاس، لا كلُّهم.
{أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا} ؛ يَعْنِي: هل أنا أدعوكم إلى عبادة غير الله؟ لا وألف لا؛ أَنَا أَدْعُوكُم إلى عِبَادَةِ الله؛ فلا تَعْبُدُوا غَيْرَهُ.
{وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} ذكَّرهم بنعمة الله عليهم؛ فقد فضَّلهم على أَهْلِ زمانهم بالإيمان.
وَبَعَثَ فيهم رسلًا، وإذا تخلَّوا عن الإيمان، زَالَ عنهم التَّفْضِيلُ؛ فإنَّما فُضِّلُوا على النَّاس بعبادة الله والإيمان به، فإذا كفروا، زَالَ التَّفْضِيلُ.
ثمَّ ذَكَّرَهُمْ موسى - عليه السلام: قَبْلَ سَنَوَاتٍ كُنْتُمْ في شِدَّةٍ، وَكَرْبٍ، وَبَلاءٍ عظيمٍ، فلماذا بعد أن نجَّاكم اللهُ من فرعون، وأهلكه، وعرفتم التَّوحيدَ تَطْلُبُونَ عبادةَ غَيْرِ الله؟
فَبَعْدَ أَنْأَنْجَاهُمُ اللهُ مِنَ الطَّاغِيَةِ فِرْعَوْنَ وَاعَدَ اللهُ موسى أربعين ليلةً، وهي ذو القعدة وعشر ذي الحجَّة؛ لينزل عليه كِتَابُ التَّوْرَاةِ فيه الأَوَامِرُ والنَّوَاهِي لِبَنِي إسرائيل، واستخلف موسى - عليه السلام - أخاه هارون؛ لِيُشْرِفَ على قومه مِنْ بَعْدِهِ.
وحذَّره مِنَ اتِّبَاعِ سَبِيلِ المفسدين، وَذَهَبَ موسى - عليه السلام - إلى ميقات ربِّه لتلقِّي هذا الكتاب.