فعندها قال أصحابُ موسى وهم خائفون: {إِنَّا لَمُدْرَكُون} .فقال لهم الرَّسولُ الصَّادقُ المصدوقُ: {كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} .
وهذه مَعِيَّةٌ خَاصَّةٌ لأوليائه؛ مَعِيَّةُ النَّصْرِ والتَّأْيِيدِ والحِفْظِ.
وكان في السَّاقَةِ، فَتَقَدَّمَ إلى المقدِّمة ونظر إلى البحر وهو يتلاطم بأمواجه، ويتزايد زَبَدُ أُجَاجِهِ وهو يقول: هاهنا أُمِرْتُ.
فعند ذلك أَوْحَى الحليمُ العَظِيمُ القَدِيرُ رَبُّ العرش الكريم إلى موسى الكَلِيمِ {أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ البَحْرَ} فلمَّا ضَرَبَهُ يقال إنَّه قال له: «انْفَلِقْ بإذن الله» .
أَمَرَ موسى - عليه السَّلامُ - أن يَجُوزَهُ ببني إسرائيل، فَانْحَدَرُوا فيه مُسْرِعِينَ مستبشرين مبادرين، وقد شاهدوا من الأَمْرِ العظيم ما يُحَيِّرُ النَّاظرين.
{وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِين} فأراد موسى - عليه السَّلامُ - أن يضرب البحرَ بعصاه؛ لِيَرْجِعَ كما كان عليه؛ لئلاَّ يكون لفرعون وجنودِه وُصُولٌ إليه؛ {وَاتْرُكِ البَحْرَ رَهْوًا} أي: ساكنًا على هيئته لا تغيِّره.
{ثمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ} فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ.
فلمَّا تَرَكَهُ على هيئته وحالته، وانتهى فرعون فرأى ما رأى، وعاين ما عاين. هاله هذا المنظر العظيم وتحقَّق بما لم يكن يتحقَّق قبل ذلك من أنَّ هذا من فعل ربِّ العرش الكريم، فأحجم ولم يتقدَّم.
فذكروا أنَّ جِبْرِيلَ - عليه السَّلامُ - تبدَّى في صورة فارسٍ راكبٍ على رمكةِ حائل، فمرَّ بين يدي فَحْلِ فرعون - لعنه الله - فحمحم إليها، وأقبل عليها.
وفرعونُ لا يملك من نفسه ضرًّا ولا نفعًا، فلمَّا رأته الجنودُ قد سَلَكَ البحرَ، اقْتَحَمُوا وَرَاءَهُ مُسْرِعِينَ.
{وَأَنجَيْنَا مُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَإِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةًوَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} أي: في إنجائه أولياءَه.
فَلَمْ يَغْرِقْ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وإغراقِهِ أعداءَه، فلمَّا يخلص منهم أَحَدٌ.
آَيَةٌ عظيمةٌ، وبرهانٌ قاطعٌ على قدرته -تعالى- العظيمة، وَصِدْقِ رسوله فيما جاء به عن ربِّه من الشَّريعة الكريمة.
وَأَخْبَرَنَا اللهُ - تعالى - عن كيفيَّة غَرَقِ فِرْعَوْنَ زَعِيمِ كَفَرَةِ القبط، وأنَّه لمَّا جَعَلَتِ الأَمْوَاجُ تَخْفِضُهُ تَارَةً وترفعه أخرى، وبنو إسرائيل ينظرون إليه وإلى جنوده {وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ} .
وماذا أحلَّ الله به وبهم من البأس العظيم، والخَطْبِ الجسيم، ليكون أقرَّ لأعين بني إسرائيل وأشقى لنفوسهم، فلمَّا عاين فرعونُ الهَلَكَةَ، وأحيط به وباشر سكرات الموت، أناب حينئذٍ، وتاب، وآمن حين لا ينفع نفسًا إيمانُها.
{فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ} أي: مصاحبًا دِرْعَكَ المعروفةَ بك. {لِتَكُونَ} أي: أَنْتَ آَيَةً لمن خَلْفَكَ؛ أي: مِنْ بَنِي إسرائيل، ودليلًا على قدرة الله الَّذي أهلك.
فَأَمَرَ اللهُ البَحْرَ فَرَفَعَهُ على مرتفعٍ، قيل: على وَجْهِ الماء، وقيل: على نجوةٍ من الأرض، وعليه دِرْعُهُ الَّتي يعرفونها من ملابسه؛ ليتحقَّقوا بذلك هَلاكَهُ، ويعلموا قُدْرَةَ الله عليه.
وهكذا هَلَكَ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ، ولمَّا أدركه الغَرَقُ آَمَنَ، وَلَكِنْ لَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ، وأبقى اللهُ بَدَنَهُ؛ ليكون عِبْرَةً لمن بَعْدَهُ.
وكانت عقوبةُ آل فرعون في الدُّنيا الغَرَقَ في البحر، وفي الآَخِرَةِ العذابُ الشَّديدُ.
{وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّاوَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} .