فهرس الكتاب

الصفحة 564 من 581

ثمَّأراد فرعونُ أَنْ يَسْتَدْرِكَ الأَمْرَ؛ فهو سياسيٌّ محنَّكٌ؛ حيث نَسَبَ الأمرَ بأنَّ ما حصل أَمْرٌ دُبِّرَ بليلٍ وَمَكْرٌ مَكَرُوهُ؛ {إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} .

فالسَّحَرَةُآمنوا، وسجدوا أمام الملأ، وتمرَّدوا على فرعون، ولم يستأذنوه، وهدَّدهم بالقتل والصَّلْبِ، فرُّدوا عليه أنَّه لا ضَيْرَ ولا ضَرَرَ يلحقهم.

وقالوا: نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لنا أَنْ كنَّا أَوَّلَ المؤمنين. {فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ، قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ، قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ} .

ثمَّأطال الله - تعالى - الأَمْرَ والمقامَ في دعوة موسى لفرعون وقومه، وَعَرَضَ عليه تِسْعَ آياتٍ بيِّناتٍ.

{وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا} .

تِسْعُ آَيَاتٍ بيِّناتٍ ومتنوِّعاتٍ؛ الطُّوفان، والجَرَادُ، والقُمَّلُ، والضَّفادعُ، والدَّمُ، مع اليَدِ والعَصَا، والأَخْذِ بالسِّنِينَ، وَنَقْصِ الثَّمَرَاتِ.

وَذَكَرَ اللهُ سَبْعَ آياتٍ في سورة الأعراف؛ فَقَدْ ذَكَرَ اللهُ أنَّه أصابهم:

1 -بالسِّنين، وهي ما أصابهم من الجَدْبِ والقَحْطِ، بسبب قلَّة مياه النِّيل، وانحباس المطر عن أرض مصر.

2 -نقص الثَّمرات: ذلك أنَّ الأرضَ تمنع خيرَها، وما يخرج يُصَابُ بالآفات والجوائح.

3 -الطُّوفان: الَّذي يُتْلِفُ المَزَارِعَ وَيَهْدِمُ المُدُنَ وَالقُرَى.

4 -الجَرَاد: الَّذي لا يَدَعُ خَضْرَاءَ ولا يَابِسَةً.

5 -القُمَّل: وهي حَشَرَةٌ تُؤْذِي النَّاس في أجسادهم.

6 -الضَّفادع: الَّتي نغَّصت عليهم عيشتهم؛ لكثرتها.

7 -الدَّم: الَّذي يصيب طعامهم وشرابهم.

مع اليد و العصا فتكون تسع آيات.

كلُّها تَدُلُّ على صِحَّةِ دَعْوَةِ مُوسَى - عليه السلام -، ومع هذا لم يُؤْمِنْ مِنْآَلِ فِرْعَوْنَ إلاَّ زَوْجَتُهُآسيَّةُ وَأَبُوهَا مُؤْمِنُآَلِ فِرْعَوْنَ.

لمَّا طال مَقَامُ موسى - عليه السَّلامُ - ببلاد مصر، وأقام بها حججَ الله وبراهينَه على فرعون وملأه، لم يَبْقَ لهم إلاَّ العذاب والنَّكال، فأمر اللهُ موسى - عليه السَّلامُ - أن يُغَادِرَ مِصْرَ؛ {فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ} .

فَجَمَعَ مُوسَى أَتْبَاعَهُ وَسَارَ بهم لَيْلًا. وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي إنكم متبعون فلمَّا علم فرعونُ برحيلهم ومغادرتهم، حَنَقَ عليهم كلَّ الحنق، واشتدَّ غضبُه عليهم، وَشَرَعَ في استحثاث جَيْشِهِ وَجَمْعِ جنوده؛ لتلحقهم، ويمحقهم.

فَرَكِبَ فِرْعَوْنُ في جنوده طالبًا بني إسرائيل يَقْفُو أَثَرَهُمْ. و كان في جَيْشٍ كَثِيفٍ عَرَمْرَمٍ، حتَّى قيل: كان في خُيُولِهِ مِائَةُ أَلْفٍ فَحْلٍ أَدْهَمَ، وكانت عدَّةُ جُنُودِهِ تزيد على أَلْفِ أَلْفٍ وَسِتِّمِائَةِ أَلْفٍ.

{فَأَرْسَلَفِرْعَوْنُ فِي المَدَائِنِ حَاشِرِين} أي: نادى في كلِّ المدائن.

وبرَّرَ مواجهتَه لموسى: {إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ} أي: كلَّ وَقْتٍ يَصِلُ لنا منهم ما يَغِيظُنَا.

والمقصودُ أنَّ فِرْعَوْنَ لَحِقَهُمْ بالجنود، فأدركهم عند شروق الشَّمْسِ، وتراءى الجَمْعَانِ، وَلَمْ يَبْقَ ثَمَّ رَيْبٌ ولا لَبْسٌ، وَعَايَنَ كلٌّ من الفريقين صَاحِبَهُ وتحقَّقه ورآه، ولم يَبْقَ إلاَّ المقاتلة والمجاولة والمحاماة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت