فقال فرعون: هذا الَّذي جِئْتَ بِهِ سِحْرٌ، وَنَحْنُ نُعَارِضُكَ بِمِثْلِهِ، ثمَّ طَلَبَ من موسى أن يُوَاعِدَهُ إلى وَقْتٍ مَعْلُومٍ وَمَكَانٍ معلومٍ.
{قَالَمَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ} . وَكَانَ يَوْمَ عِيدٍ من أعيادهم ومُجْتَمَعٍ لهم {وَأَنْيُحْشَرَ النَّاسُ ضُحَى} أي: من أوَّل النَّهار في وَقْتِ اشتداد ضياء الشَّمس، فيكون الحقُّ أَظْهَرَ وَأَجْلَى.
وفي سورة الشُّعراء: {قالوا أرجه وأخاه وابعث في المدائن حاشرين يأتوك بكل سحار عليم} فتولَّى فرعونُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثمَّ أَتَى.
ذَهَبَ فَجَمَعَ مَنْ كان ببلاده من السَّحَرَةِ، وكانت بلادُ مِصْرَ في ذلك الزَّمان مملوءةً سَحَرَةً في فنِّهم غَايَةٌ، فجمعوا له من كلِّ بَلَدٍ، ومن كلِّ مَكَانٍ، فاجتمع منهم خَلْقٌ كَثِيرٌ، فقيل: كانوا ثَمَانِينَ ألفًا.
وَحَضَرَ فِرْعَوْنُ وأُمَرَاؤُهُ وَأَهْلُ دَوْلَتِهِ وَأَهْلُ بَلَدِهِ عن بُكْرَةِ أبيهم.
وذلك أنَّ فرعونَ نادى فيهم أن يَحْضِرُوا هذا المَوْقِفَ العَظِيمَ، فخرجوا وهم يقولون: {لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِن كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ، قَالَ لَهُم مُّوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى} .
تقدَّم موسى - عليه السَّلامُ - إلى السَّحَرَةِ، فَوَعَظَهُمْ وَزَجَرَهُمْ عن تعاطي السِّحْرِ البَاطِلِ الَّذي فيه معارَضَةٌ لآياتِ الله وحُجَجِهِ، فقال: {وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى} .
{فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ} اختلفوا فيما بينهم، فقائل يقول: هذا كلام نبيٍّ وليس بساحرٍ، وقائلٌ منهم يقول: بل هو ساحرٌ فالله أعلم. وأسرُّوا التَّنَاجِي بهذا وَغَيْرِهِ.
وَأَسَرُّوا النَّجْوَى؛ {إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا} فخرج السَّحَرَةُ كَفَرَةً وطلبوا المناصب والأموال وخيَّروا موسى: {إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلّ مَنْ أَلْقَى} {قَالَ بَلْ أَلْقُوا} {فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ} {فَلَمَّا أَلْقُوا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ واسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ} .
فَعِنْدَ ذلك سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاس واسترهبوهم وألقوا حبالَهم وعصيَّهم وهم يقولون: {بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ} .
فَأَوْجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً موسى؛ أي: خاف على النَّاس أن يفتتنوا بسحرهم ومحالهم قبل أن يلقي ما في يده؛ فإنَّه لا يَضَعُ شيئًا قبل أن يُؤْمَرَ.
فَأَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ في السَّاعة الرَّاهنة: {قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الْأَعْلَى، وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى} .
فعند ذلك ألقى موسى عصاه وقال: {مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُإِنَّ اللهَ سَيُبْطِلُهُإِنَّ اللهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ، وَيُحِقُّ اللهُ الحَّقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ المُجْرِمُون} .
وذلك أنَّ موسى - عليه السَّلامُ - لمَّا ألقاها صارت حَيَّةً عظيمةً ذَاتَ قَوَائِمَ، وَأَقْبَلَتْ هي على ما أَلْقَوْهُ من الحبال والعِصِيِّ، فجعلت تَلْقَفُهُ وَاحِدًا وَاحِدًا، في أسرع ما يكون من الحركة، والنَّاسُ ينظرون إليها ويتعجَّبون منها.
أمَّا السَّحَرَةُ فإنَّهم رأوا ما هالهم وحيَّرهم في أمرهم؛ {فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى} .
قيل: لمَّا سجد السَّحَرَةُ رأوا مكانَهم في الجنَّة إذا آَمَنُوا، وَمَكَانَهُمْ في النَّارِإِذَا كَفَرُوا. فلمَّا رَفَعُوا رُءُوسَهُمْ من السُّجود وهدَّدهم فرعون قالوا: {لا ضَيْرَ} . أي: لا ضَرَرَ علينا أو لا بَأْسَ يلحقنا {إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُون} .
فما يَنَالُهُمْ من العقاب في الدُّنيا هو يَسِيرٌ بالنِّسْبَةِ لنعيم الجنَّة.
أمَّا فِرْعَوْنُ لمَّا رأى هؤلاء السَّحَرَةَ قد أسلموا قال مخاطبًا السَّحَرَةَ بِحَضْرَةِ النَّاس: {قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ} أي: هلاَّ شَاوَرْتُمُونِي فيما صَنَعْتُمْ من الأَمْرِ؟