وَسَيَنْجُو مِنَ النَّارِ الأَتْقَى الَّذي اتَّخذ من عذاب الله وِقَايَةً، وَبَذَلَ مَالَهُ يتزكَّى؛ أَيْ: يتطهَّر من الذُّنوب والشُّحِّ والبخل، وَغَرَضُهُ طَلَبُ رِضْوَانِ اللهِ.
سُمِّيَتْ بذلك؛ لافتتاحها به، فَأَقْسَمَ اللهُ بهذه الآَيَةِ (ضوء النَّهار) على إنعامه على رسوله - صلى الله عليه وسلم -.
وهذه السُّورَةُ الجَلِيلَةُ العظيمةُ تتحدَّث عن عدَّة أُمُورٍ:
-ابْتَدَأَتِ السُّورَةُ الكريمةُ بالقَسَمِ بِآَيَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنْآَيَاتِ الله الدَّالَّةِ على ربوبيَّته، وهي الضُّحَى إذا انْتَشَرَ ضِيَاؤُهُ، واللَّيْلُإذا غَطَّى بِظَلامِهِ، على أنَّ اللهَ ما وَدَّعَ نَبِيَّهُ - صلى الله عليه وسلم - وَمَا قَلاهُ.
ثمَّ بَشَّرَتْهُ بالعطاء الجزيل بما تقرُّ به عَيْنُهُ، وهذا يَعُمُّ ما يُعْطِيهِ من القرآن، والهُدَى، والنَّصْر، ِ وكثرة الأَتْبَاعِ، وَرَفْعِ ذِكْرِهِ، وما يُعْطِيهِ في الآَخِرَةِ؛ سَوَاءٌ في موقف القيامة وما يعطيه في الجنَّة.
ثمَّ تحدَّثت السُّورَةُ عن نِعَمِهِ - سبحانه -على رسوله مِنْإيوائه بَعْدَ يُتْمِهِ، وَهِدَايَتِهِ بَعْدَ الضَّلالةِ، وَإِغْنَائِهِ بَعْدَ الفقر، ثمَّأَمَرَهُ - سبحانه -أن يُقَابِلَ هذه النِّعَمَ بالشُّكْرِ، فنهاه عن قهر اليتيم، وَنَهْرِ السَّائل، وَكَتْمِ النِّعَمِ.
فهذه السُّورَةُ تتحدَّث عمَّا امْتَنَّ اللهُ به على رسوله - صلى الله عليه وسلم - مِنْ كَرَامَاتٍ في الدُّنيا والآخرة؛ ليشكر اللهَ على تلك النِّعَمِ، وفيها تَسْلِيَةٌ له، وَنَفْيٌ لما قاله الكفَّارُ في حقِّ نبيِّنا - صلى الله عليه وسلم - مِنْ وَدَعِ رَبِّهِ له، وأنَّه قَلاهُ.
قوله: {وَالضُّحَى} :أَقْسَمَ - سبحانه - بالضُّحى إذا انْتَشَرَ ضِيَاؤُهُ، وارْتَفَعَ النَّهَارُ ارْتِفَاعًا عَالِيًا.
فاللهُ جَعَلَ النَّهَارَ وَقْتًا للحركة والمعاش.
أقسم اللهُ بالضُّحى؛ لِمَا فِيهِ مِنَ الحِكَمِ والنِّعَمِ. ففي الضُّحى صلاةُ الأوَّابِينَ حِينَ ترمض الفصالُ؛ لأنَّه وَقْتُ غَفْلَةٍ وراحةٍ، وهي الَّتي تُذْهِبُ الهُمُومَ وَتَشْرَحُ الصُّدُورَ؛ فهي صَلاةُ شُكْرٍ على نِعْمَةِ اللهِ - عزَّ وجلَّ - على سلامة البَدَنِ كاملًا.
وفي الحديث: «وَيُجْزِئُ عَنْ ذَلِكَ رَكْعَتَا الضُّحَى» رواه أحمد و مسلم و أبو داوود. و ثَبَتَ في الحديث الصَّحِيحِ: «ابْنَ آَدَمَ اكْفِنِي أَرْبَعَ رَكْعَاتٍ مِنْأَوَّلِ اليَوْمِ، أَكْفِكَ آَخِرَهُ» رواه أحمد و أبو داوود و الترمذي بألفاظ متقاربة.
قوله: {وَاللَّيْلِإِذَاسَجَى} : أَقْسَمَ باللَّيل إذا اشْتَدَّ ظَلامُهُ، وَسَكَنَ فيه الخَلْقُ؛ لأنَّ اللهَ جَعَلَ لِلَّيْلِ وَقْتًا للهدوء والرَّاحة؛ فَلَمْ يَجْعَلِ اللهُ اللَّيْلَ دائمًا، ولا النَّهَارَ دَائِمًا، بل جعلهما يتعاقبان؛ لِمَصَالِحِ العباد في دينهم ودنياهم.
أَقْسَمَ اللهُ بالضُّحَى وباللَّيْلِ؛ لِمَا فِيهِمَا مِنَ الحِكَمِ والنِّعَمِ؛ فَفِي الضُّحى صلاةُ الأَوَّابِينَ، وفي اللَّيل قِيَامُ اللَّيل، وصلاة الوتر؛ فقد كان ينام أوَّلَهُ وَيَقُومُآَخِرَهُ، بعكس ما يصنع النَّاسُ اليَوْمَ.
قَسَمَانِ عَظِيمَانِ مِنَ اللهِ؛ أَقْسَمَ اللهُ بالنَّهَارِ كُلِّهِ، وباللَّيْلِ إذا سَكَنَ بالخَلْقِ وَاشْتَدَّ ظَلامُهُ، فَعَلامَ يُقْسِمُ اللهُ؟ وأين جوابُ القَسَمِ؟
الجَوَابُ: قَوْلُهُ: {مَاوَدَّعَكَرَبُّكَوَمَاقَلَى} :ما ودَّعك بالتَّشديد؛ أَيْ: ما تَرَكَكَ رَبُّكَ وَمَا أَبْغَضَكَ.
وفي قراءةٍ: {ما وَدَعَك} بالتَّخْفِيفِ. والمعنى وَاحِدٌ، وأنَّ رَبَّهُ لم يَهْجُرْهُ، وَلَمْ يُبْغِضْهُ كما زعم المشركون.
فَنَفَى اللهُ مَقَالَتَيِ المشركين إذ قال بعضُهم: ودَّعه ربُّه، وقال بعضُهم: قَلاه ربُّه.
رُوِيَ أنَّ الوَحْيَ تَأَخَّرَ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أيَّامًا فقال المشركون: إنَّ محمَّدًا وَدَعَهُ رَبُّهُ وقلاه.
فهذا نَفْيٌ من الله لِمَا قاله الكفَّارُ تَهَكُّمًا وسُخْرِيَةً في حقِّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، بل هو أَحَبُّ الخَلْقِ عند الله، اختاره الله لأعظم الرِّسالات، وَأُمَّتُهُ أَفْضَلُ الأُمَمِ، وجعله خاتمَ النَّبيِّين؛ فلا نَبِيَّ بَعْدَهُ - صلى الله عليه وسلم -
هذه هي حَالُ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - الحاضرةُ والماضيةُ؛ أَكْمَلُ حَالٍ، وأتمُّها محبَّةُ الله له، ودوامُ الاعتناء به.