وانقطاعُ الخير عنك في بعض الأوقات هو تَهْيِئَةٌ لخيرٍ جَدِيدٍ.
ثمَّ بَشَّرَهُ بالعطاء الجزيل في الآخر،. وهذه هي حَالُه المستقبلةُ.
قوله: {وَلَلْآَخِرَةُخَيْرٌلَكَمِنَالْأُولَى} :اللاَّمُ لامُ القَسَمِ، فَأَقْسَمَ اللهُأنَّ الآَخِرَةَ خَيْرٌ من الدُّنيا، فَأَطْلَقَأنَّ الآَخِرَةَ خَيْرٌ ممَّا قَبْلَهَا.
وقيل: «إِنَّ المُرَادَ بِهِ الحَالَتَانِ، وَكُلُّ حَالَةٍ خَيْرٌ لك من الأولى» .
فَعَدَّدَ اللهُ - سبحانه - على رسوله نِعَمَهُ عَلَيْهِ؛ أنَّهكان يتيمًا فآواهُ، وآوى به، وأنَّه كان ضالاًّ فهداه، وَهَدَى بِهِ، وأنَّه كان عَائِلًا فَأَغْنَاهُ، وأغنى به.
وقال ابنُ جَرِيرٍ: «أي: وللدَّارُ الآخرةُ وَمَا أعدَّ الله لك فيها، خَيْرٌ لك من الدَّار الدُّنيا وما فيها؛ لأنَّ الدُّنيا زَائِلَةٌ، والآَخِرَةُ بَاقِيَةٌ» .
ولهذا كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أَزْهَدَ النَّاس في الدُّنيا، وَأَعْظَمَهُمْ لها إطراحًا، كما هو معلومٌ من سيرته.
لمَّا عُرِضَتِ الدُّنيا وخزائنُها على النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَا، بَلْ أَجُوعُ يَوْمًا وَأَشْبَعُ يَوْمًا، فَإِذَا جُعْتُ صَبَرْتُ، وَإِذَا شَبِعْتُ شَكَرْتُ» رواه أحمد و الترمذي.
و لمَّا رأى عمرُ بْنِ الخطَّاب رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - وقد أثَّر الحَصِيرُ في جَنْبِهِ الشَّريفِ، بَكَى، فقال له: «مَا يُبْكِيكَ يَا ابْنَ الخَطَّابِ؟» قال: «كِسْرَى وَقَيْصَرُ يَنَامَانِ عَلَى الحَرِيرِ، وَأَنْتَ رَسُولُ اللهِ تَنَامُ عَلَى الحَصِيرِ» .
فقال: «أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمُ الدُّنْيَا وَلَنَا الآَخِرَةُ» متفق عليه.
وفي الحديث: «مَا لِي وَلِلدُّنْيَا؟! مَا أَنَا وَالدُّنْيَا؟! إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ الدُّنْيَا كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ، ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا» رواه أحمد و الترمذي و ابن ماجه.
وفيها أنَّ مَنْأعطاهُ اللهُ الدِّينَ، فَجَمِيعُ نِعَمِ الدُّنيا وَمُتَعِهَا لا تَعْدِلُ نِعْمَةَ الدِّين.
والسَّببُ في ذلك أنَّ اللهَ يُعْطِي الدُّنْيَا إِمَّا فِتْنَةً للنَّاس، أو ضلالًا لهم؛ {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ} أو عذابًا لَهُمْ؛ {فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ} .
نِعَمُ الدُّنْيَا كَثِيرَةٌ ولا ننكرها، ولكن أعظمُ نعمةٍ نعمةُ الهداية؛ فالله يعطي الدُّنيا من يحبُّ ومن لا يحبُّ، ولا يُعْطِي الدِّينَ إلاَّ من يحبُّ.
إِنَّ نِعْمَةَ القُرْبِ مِنَ الله، وَنِعْمَةَ الهداية، والاستقامة، لا يَعْدِلُهَا نِعْمَةٌ، ولمَّا بيَّن اللهُ لِنَبِيِّهِ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه أُوتِي فضلًا، قال: وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ».
وَذَلِكَأَكْبَرُ حَظٍّ وَنَصِيبٍ، وأعظمُ الحظِّ عند الله، نَهَاهُأَنْ يَمُدَّ عَيْنَيْهِ إلى متاع الحياة الدُّنيا؛ لأنَّ مَنْأَعْطَاهُ اللهُ الحَظَّ والنَّصِيبَ الأَكْبَرَ، لا ينبغي أن يَنْظُرَ إلى النَّصيب الحَقِيرِ، ولاسِيَّمَا أنَّهم أُعْطُوا الدُّنْيَا للفتنة، أو ضلالًا لهم، أو عذابًا، {وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى} .
قوله: {وَلَسَوْفَيُعْطِيكَرَبُّكَفَتَرْضَى} :أيضًا هذا قَسَمٌأَنْ يُعْطِيَهُ ما تَقَرُّ به عَيْنُهُ، في الدُّنيا والآخرة، فيدخل فيه عطاؤه في الدُّنيا والآخرة.
ففي الدُّنيا أَنْجَزَ اللهُ لَهُ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَيَّأَ له أنصارًا، نَشَرُوا دينَه في الأرض، وأعطاه معجزاتٍ، وأعظمُها المعجزةُ الخالدةُ القرآنُ، وله في الآخرة خَيْرٌ من الأولى.
قال السَّعْدِيُّ: «فَلَمْ يَزَل - صلى الله عليه وسلم - يَصْعَدُ في دَرَجِ المَعَالِي، وَيُمَكِّنُ لَهُ اللهُ دِينَهُ، وَيَنْصُرُهُ عَلَى أَعْدَائِهِ، وَيُسَدِّدُ لَهُ أَحْوَالَهُ، حَتَّى مَاتَ، وَوَصَلَ إِلَى حَالٍ لَا يَصِلُ إِلَيْهَا الأوَّلون والآخرون، من الفضائل والنِّعم، وقرَّة العين، وسرور القلب» .
أمَّا ما يذكره مَنْ قَلَّ حَظُّهُ من العلم الشَّرعيِّ بأنَّ نبيَّنا - صلى الله عليه وسلم - قال: «اللَّهُمَّ لَا أَرْضَى يَوْمَ القِيَامَةِ وَوَاحِدٌ مِنْ أُمَّتي فِي النَّارِ» ليس له وجود في الكتب المسندة فيُروى بلا إسناد. فهو من غرور الشَّيطان لهم، وهو - سبحانه وتعالى - يُدْخِلُ النَّارَ من يستحقُّها من الكفَّار والعصاة.