لها إذا ما غَلَتْ فَوْرَ يقلبهم *** ما بين مرتفعٍ فيها ومنحدرٍ
ولهم كلَّ يومٍ لهم في طول مدَّتهم *** نَزْعٌ شَدِيدٌ من التَّعذيب والسُّعُرِ
هذا مصيرُ مَنْآَثَرَ الدُّنيا على الآخرة، وَمَصِيرُ مَنِ اشْتَغَلَ بالدُّنيا وَنَسِيَ الآَخِرَةَ، وَمَصِيرُ من كان يريد الحياة الدُّنيا وزينتَها.
قوله: {الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ} :تَطَّلِعُ على القلوب الَّتي هي أَرَقُّ شَيْءٍ في الإنسان، وَأَشَدُّ عَذَابٍ يكون في القلب؛ لأنَّه بَيْتُ السُّوءِ، ومكانُ الاستكبار والعقائد الفاسدة.
فَعَمَّهُمُ العذابُ ظاهرًا وباطنًا؛ «إِنَّ الرَّجُلَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَيَعْظُمُ لِلنَّارِ» يُضَخِّمُهُ اللهُ وَيُكَبِّرُهُ «حَتَّى يَكُونَ الضَّرْسُ مِنْ أَضْرَاسِهِ كَأُحُدٍ» . رواه أحمدُ.
وعند التِّرمذيِّ مَقْعَدُهُ في النَّار «وَإِنَّ مَجْلِسَهُ مِنْ جَهَنَّمَ مَا بَيْنَ مَكَّةَ وَالمَدِينَةِ» .
«ضَرْسُ الكَافِرِ يَوْمَ القِيَامَةِ مِثْلُ أُحُدٍ، وَعَرْضُ جِلْدِهِ سَبْعُونَ ذِرَاعًا، وَعَضُدُهُ مِثْلُ البَيْضَاءِ» ؛ جَبَلٍ من جبال العرب.
«وَفَخِذُهُ مِثْلُ وَرْقَانَ» جَبَلٍ أَيْضًا على طريق مكَّة والمدينة. هذا حَجْمُ ضَرْسِهِ، وَفَخِذِهِ، وَعَضُدِهِ، وَسُمْكُ جِلْدِهِ.
يُرْسَلُ البُكَاءُ على أهل النَّار فيبكون حتَّى تنقطع الدُّموعُ، ثمَّ يبكون الدَّمَ بدلًا من الدُّموع حتَّى تنقطع الدُّموع، ولا يموتون.
لماذا قال نبيُّنا - صلى الله عليه وسلم: «أَنْذَرْتُكُمُ النَّارَ» ؟
قوله: {إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ} :أي مُغْلَقَةً وَمُطْبِقَةً؛ فهي مُغْلَقَةُ الأبواب والمنافذ؛ فلا يدخل عليهم رَوْحٌ ينفِّس عليهم، ولا يخرج منها غَمٌّ، يتمنُّون الخروج فما يحصل، وَيَطْلُبُونَ الموتَ فلا يُجَابُونَ، وَيُنَادُونَ فلا يَسْمَعُونَ، وَغَلْقُ الأبواب عَذَابٌ.
أُغْلِقَتْ عليهم الأبوابُ، وَنَضِجَتِ الجلودُ، واطَّلعت النَّارُ على الأفئدة، وأصبح أَحَدُهُمْ جَمْرَةً وَاحِدَةً، والألمُ لا يعلمه إلاَّ اللهُ.
قوله: {فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ} :الإغلاقُ ليس سهلًا؛ إمَّا أَنْ يَكُونَأَعْمِدَةً طَوِيلَةً يربط بها الكفَّار أو عُمُدًا.
والعُمُدُأَوْتَادُ الأَبْوَابِ الَّتي تُطْبِقُ عليهم، فَتُشَدَّ تِلْكَ الأبوابُ والأوتادُ حتَّى يَرْجِعَ عليهم غمُّها وحرُّها.
هؤلاء الكُفَّارُ غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ غَضَبًا شَدِيدًا، فخلَّدهم في العذاب؛ خَلَقَهُمْ فَعَبَدُوا غَيْرَهُ، رَزَقَهُمْ وشكروا غَيْرَهُ، خيرُه إليهم نازلٌ، وشرُّهم إليه صاعدٌ، تَحَبَّبَإليهم بالنِّعم، وتبغَّضوا إليه بالمعاصي، كفروا بالله، وصدُّوا عن سبيل الله، حاربوا أَوْلِيَاءَ الله.
ومن تأمَّل أَحْوَالَ كُفَّارِ كُلِّأُمَّةٍ يتعجَّب من تمرُّدهم وَعُتُوِّهِم وعنادهم، ولازالوا على ذلك حتَّى زهقت أنفسُهم وهم كافرون.
هذه السُّوَرُ فيها تَحْذِيرٌ من الوقيعة في أعراض النَّاس، وَتَحْذِيرٌ من الاشتغال بالمال عن طاعة الله، وَمَنْعِ حقوقه، واللهُ لم يحرِّم جَمْعَ المال، لَكِنْ حَرَّمَ جَمْعَهُ مِنْ حَرَامٍ، وَمَنْعَ حقوقه الواجبة والمستحبَّة.
وهلاكُ كلِّ أمَّةٍ بكثرة النِّعَمِ، وترك شكرها، وَطُولِ الأَمَلِ.
سُمِّيَتْ بذلك؛ لأنَّ اللهَ - تعالى - ذَكَرَ فِيهَا قِصَّةَأَصْحَابِ الفِيلِ.