فهرس الكتاب

الصفحة 466 من 581

وَكَثْرَةُ العَدِّ دليلٌ على ضعف اليقين.

المالُ نِعْمَةٌ يقضي حوائجَ، ولكن العيبُ في الحرص الشَّديد على كَسْبِهِ من أَيِّ طريقٍ، والبخل به.

وهناك معنًى آَخَرُ لِعَدَّدَهُ؛ أَيْ: أعدَّه للنَّوائب؛ لأنَّهم كانوا يفتخرون بكثرة الأنصار والأموال.

قوله: {يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ} :ذكر- سبحانه - هنا وَصْفًا آَخَرَ وَعَيْبًا آَخَرَ تولَّد من شدَّة حرصه على جمع المال وتعديده؛ تَوَهُّمَهُ بالخُلُودِ.

يقول أَحَدُ الإخوة: مررتُ على رجلٍ وهو يبني بيتَه، وشرح لي ساعةً وكان فرحًا بالبيت، فلمَّا انتهى قلت له: هل عندك يَقِينٌأنَّك تَبِيتُ هذه اللَّيْلَةَ؟ فبكى وَحَزِنَ لمَّا ذُكِرَ الموتُ.

وَمِنْ هُنَا وَرَدَ «صَلاحُأَوَّلِ هَذِهِ الأُمَّةِ بِالزُّهْدِ وَاليَقِينِ، وَيَهْلِكُ آَخِرُهَا بِالبُخْلِ وَالأَمَلِ» . [أخرجه أحمدُ في الزُّهد، وحسنه الألبانيُّ] .

«نَجَا أَوَّلُ هَذِهِ الأُمَّةِ بِاليَقِينِ وَالزُّهْدِ، وَيَهْلِكُ آخِرُهَا بِالبُخْلِ وَالأَمَلِ» . [رواه ابنُ أبي الدُّنيا، وحسَّنه الألبانيُّ [.

ويظنُّأنَّ المَالَ سَيُخَلِّدُهُ في الدُّنيا، ويزيد في عُمُرِهِ، فَمَنَعَ حُقُوقَهُ الواجبةَ والمستحبَّةَ، وَلَمْ يَدْرِأنَّ البُخْلَ يقصِّر الأَعْمَارَ، وَيُخَرِّبُ الدِّيَارَ، وَيُذْهِبُ البَرَكَةَ؛ «اللَّهُمَّأَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا، وَمُنْفِقًا خَلَفًا» رواه مسلم و أحمد و البيهقي و ابن حبان، «ابْنَآَدَمَأَنْفِقْ، أُنْفِقْ عَلَيْكَ» متفق عليه.

فالبرُّ يزيد في العُمُرِ، والإنفاقُ في سبيل الله يُبَارِكُ في المال.

قال بعضُ العلماء: «مَا زَالَتِ الصَّدَقَةُ تُطِيلُأَعْمَارَنَا حَتَّى سَئِمْنَا الحياةَ» .

اللهُ قَدَّرَ المقاديرَ بأسبابها، وَعَلِمَ الأشياءَ قَبْلَ وقوعها، قَدَّرَ اللهُ زِيَادَةَ الأَعْمَارِ، وَزِيَادَةَ الأرزاق بأسبابها.

عن عليِّ بن أبي طالبٍ - رضي الله عنه- قال: «مَنْ ضَمِنَ لي واحدةً، ضَمِنْتُ له أربعًا: مَنْ وَصَلَ رَحِمَهُ طَالَ عُمُرُهُ، وَأَحَبَّهُ أهلُه، ووُسِّعَ عليه في رزقه، ودخل جنَّة ربِّه» .

قوله: {كَلَّا} :كَلِمَةُ رَدْعٍ وَزَجْرٍ .. والمعنى: ليس الأمرُ كما يتوهَّم من ظنَّأنَّ مَالَهُأَخْلَدَهُ.

وإن كانت «كلاَّ» بمعنى «حقًّا» فالمعنى فيها قَسَمٌ محذوفٌ؛ واللهِ لَيُنْبَذَنَّ.

هذا الَّذي جَمَعَ هذه الصِّفات كَوْنُهُ جَمُوعًا مَنُوعًا، وطعَّانًا عيَّابًا، وطمع في الخلود، ما هو مصيره؟ مصيرُه النَّارُ.

حبُّ الدُّنيا عقوبةٌ من الله؛ «وَلَيَقْذِفَنَّ اللهُ فِي قُلُوبِهِمُ الوَهَنُ؛ حُبُّ الدُّنْيَا، وَكَرَاهِيَةُ المَوْتِ» رواه أبو داوود.

فهم يحبُّون العاجلة، وَيَذَرُونَ الآخرة، حبُّهم من أجل الدُّنيا، وَيُبْغِضُونَ مِنْأَجْلِهَا، مجالسُهم للدُّنيا، واجتماعاتُهم، ذهابُهم، وإيابُهم، وَجُزْءٌ يَسِيرٌ للآخرة.

فَبَعْدَ العرض والحساب يوم القيامة، والوقوف الطَّويل، يُسَاقُونَ إلى النَّار صُمًّا، وَبُكْمًا، وَعُمْيًا.

{كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ} : {لَيُنْبَذَنَّ} النَّبْذُ هو الطَّرْحُ؛ يُرْمَى هو ومالُه، فيعذَّب بالنَّار، ويعذَّب أيضًا بماله في النَّار؛ {هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ} .

لم يذكر اللهُ مَوْتَهُ، إنَّما ذَكَرَ مَصِيرَهُ؛ نَبْذَهُ في النَّار.

«الحُطَمَةُ» اسْمٌ مِنْأَسْمَاءِ النَّارِ، وَسُمِّيَتْ جَهَنَّمُ الحُطَمَةَ؛ لِحَطْمِهَا ما يُلْقَى فيها؛ فإنَّها تَكْسِرُ العَظْمَ بَعْدَ أكل اللَّحم.

لمَّا كان الهَمَّازُ يحطم النَّاس ويحطُّ من قَدْرِهِمْ، جُعِلُ جَزَاءُهُ النَّبْذَ في الحُطَمَةِ.

قوله: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ} :استفهامٌ للتَّفْخِيمِ .. شَيْءٌ عَظِيمٌ لا يتصوَّر أَحَدٌ شِدَّةَ عذابها.

قوله: {نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ} :بَيَّنَ اللهُ الحُطَمَةَ بأنَّها مُوقَدَةٌ دائمًا، لا تُطْفَأُ ولا تبرد؛ نَارُ الدُّنْيَا تُطْفَأُ وَتُخْمَدُ، وقودُها النَّاسُ والحِجَارَةُ.

عَذَابُ اللهِ شَدِيدٌ، النَّارُ سَوْدَاءُ مُظْلِمَةٌ، حَرُّهَا شَدِيدٌ، وَقَعْرُهَا بَعِيدٌ، طَعَامُهُمْ نَارٌ، وشرابُهُم نَارٌ، وهي تفور بهم وَتَغْلِي، ويتقلَّبون فيها، لهم فيها بُكَاءٌ وَصُرَاخٌ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت