ثمَّ بعد ذلك في جميع آيات السُّورة يستعرض ربُّنا - جلَّ وعلا - ما يقرِّر هذا الأَمْرَ؛ {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (29) إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ (30) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ} .
وفي آخر السُّورة يتحدَّث ربُّنا - جلَّ وعلا - عن هذا؛ {قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (64) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (65) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ} .
وفي نهاية السورة يقول: {وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} .
فإذن شُكْرٌ وَتَوْحِيدٌ، وهنا كذلك؛ {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (1) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} شُكْرٌ وَتَوْحِيدٌ.
فلا يتمُّ توحيدُ العبد إلاَّ بالبَرَاءَةِ من الشِّرك وأهله.
هذه السُّورَةُ العظيمةُ الجَلِيلَةُالمُوجَزَةُ فيها يتبرَّأ المسلمُ، وَيُعْلِنُ البَرَاءَةَ التَّامَّةَ من الكفَّار ودينهم، كما صَرَّحَإِبْرَاهِيمُ؛ {إِنَّا بُرَأَئُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ} .
ويصرِّح لهم بذلك وفي كلِّ مَكَانٍ .. وَجَعَلَهَا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - تَعْدِلُ رُبُعَ القرآن؛ لأنَّها بَرَاءَةٌ مِنَ الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ؛ فَلَا يَتِمُّ التَّوْحِيدَ إلاَّ بالبراءة من الشِّرك.
ولذلك جاءت السُّورَةُ على النَّفْيِ المَحْضِ؛ فَأَتَى بالنَّفْيِ من الجَانِبَيْنِ؛ تَحْقِيقًا للبراءة المَطْلُوبَة.
هَذِهِ السُّورَةُ هِيَ إحدى سُورَتَيِ الإخلاص؛ لأنَّ سُورَتَيِ الإِخْلاصِ هي «قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ» و «قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ» ؛ لأنَّها اشتملت على نَوْعَيِ التَّوحيد، وهما توحيدُ العلم والاعتقاد في سورة «قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ» المتضمِّنُ تَنْزِيهَ الله عمَّا لايَلِيقُ به من الشِّرْكِ، والكفر، والوَلَدِ، والوالد.
فَهُوَإِلَهٌ وَاحِدٌ صَمَدٌ، لم يَلِدْ فيكون له فَرْعٌ، ولم يُولَدْ فيكون له أَصْلٌ، ولا نَظِيرَ له، وَصَمَدٌ اجتمعت له صفاتُ الكمال كلُّها، فهذا تَوْحِيدُ العلم والاعتقاد.
أمَّا النَّوْعُ الثَّاني في سورة «الكافرون» فهو تَوْحِيدُ القَصْدِ والإرادة؛ ألاَّ يَعْبُدَإِلاَّإِيَّاهُ؛ فلا يُشْرِكَ في عبادته أحدًا. وهذا الشِّرْكُ العمليُّ الإردايُّ الَّذي تُعَالِجُهُ سورةُ «الكافرون» هو أَغْلَبُ على النُّفُوسِ، لأَجْلِ مُتَابَعَةِ هواها.
وَكَثِيرٌ من النَّاس تَرْتَكِبُهُ مع عِلْمِهَا بِمَضَرَّتِهِ وَبُطْلانِهِ؛ لِمَا فيه مِنْ نَيْلِأَغْرَاضِهَا.
وإزالتُهُ وَقَلْعُهُأصعبُ مِنْإزالةِ الشِّرْكِ العلميِّ؛ فكانت سورةُ «الكافرون» متضمِّنةً لإزالةِ الشِّرْكِ العَمَلِيِّ، فجاء التِّكْرَارُ في سورة «الكافرون» .
ويستحبُّ قراءتُهما في سُنَّةِ الفجر، وفي سُنَّةِ المغرب، والطَّواف، والوتر، وَعِنْدَ النَّوْمِ؛ فقد كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يَفْتَتِحُ بهما النَّهَارَ في سُنَّةِ الفجر، وَيَخْتِمُ بهما في سُنَّةِ المغرب، وفي «السُّنَنِ» أنَّه كان يُوتِرُ بهما، فيكونان خَاتِمَةَ عَمَلِ اللَّيل، كما كانا خَاتِمَةَ عَمَلِ النَّهار.
وحديث: «إِذَا أَخَذْتَ مِضْجَعَكَ مناللَّيْلِ، فَاقْرَأْ {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} ثُمَّ نَمْ عَلَى خَاتِمَتِهَا؛ فَإِنَّهَا بَرَاءَةٌ مِنَ الشِّرْكِ» . رواه أَحْمَدُ و النسائي و الطبراني.
قِرَاءَةُ هذه السُّور تُنْجِي من الشِّرْكِ؛ مِمَّا يَدُلُّ على فَضْلِهِمَا، وأنَّ قِرَاءَتَهُمَا سُنَّةٌ؛ لأنَّهما قد اشتملتا على التَّوحيد والإخلاص؛ فالكافرون فيها تَوْحِيدُ العبادة أو الألوهيَّة، وسورة الإخلاص فيها تَوْحِيدُ الرُّبوبيَّة والأسماء والصِّفات.