فهرس الكتاب

الصفحة 356 من 581

ولكنَّ مَشِيئَةَ العبد تابعةٌ لمشيئة الله، وَلَيْسَتْ مُسْتَقِلَّةً؛ فَلَوْ قَالَ: أنا ذَاهِبٌ إلى مكَّة للعمرة إن شَاءَ اللهُ، فهو مُخَيَّرٌ بالذَّهاب، ولكنَّ مشيئتَه ليست مستقلَّةً؛ لأنَّها خَاضِعَةٌ وَتَابِعَةٌ لمشيئة الله.

فهو مَجْبُورٌ في المصائب؛ فلو مَرِضَ لا يُلامُ عليه.

وَمُخَيَّرٌ في المَعَايِبِ؛ أَيِ المعاصي؛ فَلَوْ زَنَافَلامَهُ النَّاسُعلى ذلك فقال: أنا مَجْبُورٌ أو قَدَرُ اللهِ عَلَيْهِ، لقلنا: قدَّره اللهُ بعلمه السَّابق فيه، ولكن لَمْ يَرْضَهُ لَهُ، ونهاه عَنْه.

قوله: {إِنَّاللَّهَكَانَعَلِيمًاحَكِيمًا} : اللهُ عَلِيمٌ لا يَخْفَى عليه شَيْءٌ، وَحَكِيمٌ في أَفْعَالِهِ وَقَدَرِهِ.

قوله: {يُدْخِلُمَنْيَشَاءُفِيرَحْمَتِهِوَالظَّالِمِينَأَعَدَّلَهُمْعَذَابًاأَلِيمًا} :فاللهُ عَلِيمٌ بمن يستحقُّ الهِدَايَةَ، فَيُيَسِّرَهَا له، وَعَلِيمٌ بِمَنْ يَسْتَحِقُّ الغِوَايَةَ، فَيُوكِلَهُ إلى نَفْسِهِ وعدوِّه.

وَبَيَّنَ اللهُ من يستحقُّ الهدايةَ، وَمَنْ يستحقُّ الضَّلالَ؛ فَمَنْأَطَاعَ اللهَ، زَادَهُ هِدَايَةً، وَيَسَّرَ أُمُورَهُ كلَّها، كما في قوله: {فَأَمَّامَنْأَعْطَاوَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَبِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُلِلْيُسْرَى (7) } .

وَمَنْ عَصَاهُ، أَضَلَّهُ على عِلْمٍ، وَعَسُرَ عَلَيْهِ أُمُورُهُ كلُّها، كما في قوله: {وَأَمَّامَنبَخِلَوَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَبِالْحُسْنَافَسَنُيَسِّرُهُلِلْعُسْرَى} .

فَمَنْ فَعَلَأَسْبَابَ الخَيْرِ يَسَّرَهَا له، وَمَنْ فَعَلَأَسْبَابَ الشَّرِّ، يَسَّرَهَا له، فَصَارَ العَبْدُ يَسْعَدُ وَيَشْقَى بأفعاله.

الرَّحْمَةُ من الله لأَهْلِ الخير و الإحسان، والعذابُ مِنَ الله لأَهْلِ الظُّلْمِ والطُّغْيَانِ، واللهُ - تعالى - عَلَّقَ الجَزَاءَ على العَمَلِ.

تَمَّتْ، ولله الحَمْدُ والمِنَّةُ.

وسُمِّيَتْ بذلك لافتتاحها به، وهي سُورَةٌ صَعْبَةٌ.

ونُرِيدُأَنْ نَعْرِفَ معانيَها، وَنَرْبِطَ بين أَجْزَائِهَا.

وَمِحْوَرُهَا يَدُورُ على آَيَةٍ وَاحِدَةٍ فيها، وَهِيَ: {إِنَّمَاتُوعَدُونَلَوَاقِعٌ} .

أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ عَنْ عَبْدِ الله بن مسعودٍ قال: «بينما نحن مع النَّبيِّ- صلَّى الله عليه وسلَّم - في غَارٍ بِمِنَى، إِذْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ: «وَالْمُرْسَلَاتِ» ؛ فإنَّه لَيَتْلُوهَا، وإنِّي لأتلقَّاها مِنْ فِيهِ، وَإِنَّ فَاهُ لَرَطِبٌ بها.

وعن ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما- عنأمِّه أُمِّالفَضْلِ سَمِعَتْهُ يقرأ «وَالْمُرْسَلَاتِعُرْفًا» ، فقالت: يا بُنَيَّ ذكَّرتني بقراءتك هذه السُّورة؛ إنَّها لآَخِرُ ما سَمِعْتُ رَسُولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يَقْرَأُ بها في المغرب». رَوَاهُأَحْمَدُ.

هذه السُّورةُ الجَلِيلَةُ العظيمةُ تتحدَّث عن عِدَّةِأُمُورٍ.

ابتدأت السُّورةُ الكَرِيمَةُ بالقَسَمِ بالرِّياح وبالملائكة.

والمُقْسَمُ عليه مَجِيءُ يَوْمِ القيامة، وأنَّه كائنٌ لامَحَالَةَ، ثمَّ تحدَّثت عن وقت ذلك العذاب الَّذي وُعِدَ به المجرمونعند حدوث التَّغيُّرات العظيمة في الكون؛ {فَإِذَاالنُّجُومُطُمِسَتْ} .

ثمَّ قَرَّرَ اللهُ البَعْثَ بِعِدَّةِأَدِلَّةٍ وَاقِعِيَّةٍمنها: الأُمَمُ السَّابقة ممَّن كذَّب بالبعث، وَمَا وقع بهم.

ثمَّ ذَكَرَ الدَّليلَ الثَّاني، فَاسْتَدَلَّ بالبَدَاءَةِ في خَلْقِ الإنسان على الإعادة، ثمَّ ذَكَرَ دليلًا ثالثًا أَنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ، وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت