فهرس الكتاب

الصفحة 355 من 581

هل فعلًا تسبيحُ الله له حيِّزٌ كَبِيرٌ من حياتنا؟

التَّسْبِيحُ مَعْنَاهُألاَّ نَذْكُرَ اللهَ إلاَّ بالإكبار والإجلال، وننزِّهَهُ عن كلِّ شريكٍ وَنِدٍّ وعن كلِّ عَيْبٍ وَنَقْصٍ.

ثمَّ ذَكَرَ اللهُ حالَ المعرضين والمعارضين من الكفَّار والمنافقين.

قوله: {إِنَّهَؤُلَاءِيُحِبُّونَالْعَاجِلَةَ} :سُمِّيَتِ الدُّنيا بالعاجلة؛ لأنَّها سَرْعَانَ ما تمرُّ، وتنتهي، وتزول؛ فَهِيَ زَائِلَةٌ، وَمَائِلَةٌ، وحائلةٌ.

إنَّ سَبَبَ مُحَاوَلَةِ هؤلاء المعارضين معك في أن تتنازل عن دينكبسبب محبَّتهم للدُّنيا، وكراهيتهم للقرآن، والدِّين، والطَّاعة.

وهذا القرآنُ يحذِّرهم من الدُّنيا، ويريد منهم العَمَلَ للآخرة، وهم لا يؤمنون بها، ولا يريدونالعَمَلَ لها، مع أنَّ فيه نجاتَهم.

قوله: {وَيَذَرُونَوَرَاءَهُمْيَوْمًاثَقِيلًا} : يَوْمَ القيامة؛ يَوْمًا عظيمًا وثقيلًا.

ثَقِيلٌ في طوله؛ فَمِقْدَارُهُ خَمْسُونَأَلْفَ سَنَةٍ، وَثَقِيلٌ في أَهْوَالِهِ؛ فَمِنْ شِدَّةِ الخَوْفِ القُلُوبُ لدى الحناجر كاظمين، وَثَقِيلٌ في شدَّة الجوع؛ يقفون خمسين أَلْفَ سَنَةٍ، فما يأكلون أَكْلَةً، ولا يشربون شَرْبَةً، وَثَقِيلٌ في حَرِّهِ، وَثَقِيلٌ في ظَمَأِهِ.

وفي الحديث: «يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْرَى مَا كَانُوا قَطُّ، وَأَجْوَعَ مَا كَانُوا قَطُّ، وَأَظْمَأَ مَا كَانُوا قَطُّ، وَأَنْصَبَ مَا كَانُوا قَطُّ، فَمَنْ كَسَا لِلَّهِ كَسَاهُ اللَّهُ، وَمَنْ أَطْعَمَ لِلَّهِ أَطْعَمَهُ اللَّهُ، وَمَنْ سَقَى لِلَّهِ سَقَاهُ اللَّهُ، وَمَنْ عَمِلَ لِلَّهِ أَغْنَاهُ اللَّهُ، وَمَنْ عَفَا لِلَّهِ أَعْفَاهُ اللَّهُ» رواه المنذري في الترغيب و ضعفه الألباني في ضعيف الترغيب، و لكن معناه صحيح.

وَسَبَبُ ثِقَلِهِ عليهم كفرُهم بالله، وباليوم الآخر، وصدُّهم عن سبيل الله، ويبغونها عوجًا.

بَعْدَمَا بَيَّنَ اللهُ سَبَبَ حَمْلِهِمْ على المساومات مع المسلمين؛ بسبب حبِّهم للعاجلة، وإنكارهم ليوم القيامة، أَقَامَ بَعْدَهَا البَرَاهِينَ على خَلْقِهِمْ وَبَعْثِهِمْ.

قوله: {نَحْنُخَلَقْنَاهُمْ} : امْتَنَّ اللهُ على خَلْقِهِ بِالخَلْقِ والإيجاد.

قوله: {وَشَدَدْنَاأَسْرَهُمْ} : أَيْ: قَوَّيْنَا وأَحْكَمْنَا خَلْقَهُمْ.

قوله: {وَإِذَاشِئْنَابَدَّلْنَاأَمْثَالَهُمْتَبْدِيلًا} :قيل: «وإذا شِئْنَا أَهْلَكْنَاهُمْ وَجِئْنَا بِأَطْوَعَ منهم لله» .

وقيل: «أَهْلَكْنَاهُمْ وَبَعَثْنَاهُمْ بَعْدَ المَوْتِ على شَكْلٍ آَخَرَ» .

والَّذي يظهر لي أنَّ الرَّاجِحَ هنا أَنَّ المُرَادَ البَعْثُ؛ لأنَّ السِّيَاقَ يُؤَكِّدُ هَذَا، أمَّا القَوْلُ أنَّه يُهْلِكُهُمْ وَيَأْتِي بِمَنْ هُوَأَطْوَعُ، فَلَعَلَّهُ مَا وَرَدَ في آخر سورة المعارج.

قوله: {إِنَّهَذِهِتَذْكِرَةٌ} :هذه السُّورةُ بِجُمْلَتِهَا تَذْكِرَةٌ بما فيها من عِظَاتٍ، وَذِكْرٍ لأهل الجنَّة والنَّار، وَنِعْمَةِإنزال القرآن.

قوله: {فَمَنْشَاآتَّخَذَإِلَارَبِّهِسَبِيلًا} :بابُ الله مَفْتُوحٌ إلى يوم القيامة؛ فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ الإيمانُ يَدْخُلُ، وَمَنْ أراد أن يُسْلِمَ قَلْبَهُ وَوَجْهَهُ لله فَلْيُسْلِمْ؛ حتَّى يَنْجُوَ مِنْ عذاب الله.

قوله: {وَمَاتَشَاءُونَإِلَّاأَنْيَشَاآللَّهُ} :مَشِيئَةُ الله مُقَدَّمَةٌ على مشيئة العبد، وفيها سِرٌّ عَظِيمٌ؛ أنَّ اللهَ وَكَلَ إلى الإنسانِ العَمَلَ، وَأَعْطَاهُ القُدْرَةَ والمَشِيئَةَ والاخْتِيَارَ، ولم يُجْبِرْهُ على كُفْرٍ أو طَاعَةٍ؛ خلافًا للجبريَّة الَّذين يقولون: «إنَّ الإِنْسَانَ مَجْبُورٌ لا اخْتِيَارَ له» ، وخلافًا للقدريَّة والمعتزلة الَّذين يقولون: «العَبْدُ يَخْلُقُ فِعْلَ نَفْسِهِ باستقلالٍ» .

وَأَهْلُ السُّنَّةِ والجماعة يقولون: «الإنسانُ مُسَيَّرٌ وَمُخَيَّرٌ؛ مُسَيَّرٌ في القَضَاءِ والقَدَرِ، فَتَجْرِيَ عليه أَفْعَالُ اللهِ، وَلَوْ لَمْ يُرِدْ، فهو مُسَيَّرٌ في القَدَرِ الكَوْنِيِّ، ومخيَّرٌ من حيث أَفْعَالِهِ هو.

فَلَهُأَنْ يُسْلِمَ، وَلَهُأَنْ يَكْفُرَ، أَوْ يُطِيعَ، وَيَعْصِي؛ فهو مخيَّرٌ في القَدَرِ الشَّرْعِيِّ، فهو مُسَيَّرٌ مِنْ جِهَةِأَفْعَالِ اللهِ، وَمُخَيَّرٌ مِنْ جِهَةِأَفْعَالِهِ هو.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت