فهرس الكتاب

الصفحة 529 من 581

وُلِدَ إبراهيمُ - عليه السَّلامُ - بأرض بابلَ في العراق، في عهد النَّمْرُودِ الَّذي كان حاكمًا لتلك البلاد، مستبدًّا جبَّارًا، وقد نصَّب نفسَه إلهًا لقومه، وانتشرت في تلك البلدة عبادةُ الأصنام.

كان أبو إبراهيمَ وهو آَزَرُ، و كان نَجَّارًا وَيَنْحِتُ الأصنامَ ويبيعها. ولمَّا شَبَّ إبراهيمُ - عليه السَّلامُ - تزوَّج امرأةً اسمُها «سارَّةُ» وكانت عقيمًا لا تلد. وُلِدَ لآزرَ إبراهيمُ - عليه السَّلام - وهاران، وولد لهاران لوطٌ عليه السَّلام.

لمَّا انتشر الكفر شاء الله أن يبعث نبيَّه إبراهيم - عليه السلام - من أعظم الأنبياء، أزال اللهُ به تلك الشُّرورَ الكَثِيرَةَ، ومحا به ضلالاتٍ كثيرةً، وفتح به أَعْيُنًا عُمْيًا، وآذانًا صُمًّا، وقلوبًا غُلْفًا.

وإبراهيمُ - عليه السلام - مِنْ أُولي العزم من الرُّسُلِ، وهو أبو الأنبياء، آَتَاهُ اللهُ رُشْدَهُ في صِغَرِهِ، وابتعثه رسولًا، واتَّخذه خليلًا، وهو أفضلُ الأنبياء كلِّهم بعد محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم.

وهو الأبُ الثَّالث للطَّوائف الفاضلة.

وهو الَّذي جَعَلَ اللهُ في ذرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ والكتاب.

وقد ذُكِرَتْ قصَّةُ إبراهيم في كتاب الله في (73) موضعًا موعظةً وذكرى للمؤمنين.

كان أوَّلُ دعوته لأبيه آَزَرَ، وكان يعبد الأصنامَ، فذكر الله ما بينه وبين أبيه من مُحَاوَرَةٍ ومُجَادَلَةٍ.

وبيانَ بُطْلَانِ ما هو عليه من عبادة الأصنام والأوثان؛ فهي لا تسمع دعاءَ عابدها، ولا تُبْصِرُ مَكَانَهُ، ولا تُغْنِي عنه شيئًا.

ونبَّه أباه أنَّ الله أعطاه هدًى وعلمًا نافعًا.

فأخبره بعلمه، وأنَّ ذلك مُوجِبٌ لاتِّباعك إيَّاي، ثمَّ حذَّره عقابَ الله وَنِقْمَتَهُ إِنْ أقام على حاله، وأنَّه يكون وليًّا للشَّيطان.

فلم ينجع فيه دعوتُه بذلك الشَّقيِّ، فأجاب بجوابِ جاهلٍ وقال: {قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا} .

فأجابه الخَلِيلُ جَوَابَ {قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا} .

قال ابن عبَّاس وغيره: «أي لطيفًا؛ فلم يَزَلْ يستغفر اللهَ له، رجاءَ أن يَهْدِيَهُ اللهُ» .

فلمَّا تبيَّن له أنَّه عَدُوٌّ لله، وأنَّه لا يفيد فيه شيئًا، ترك الاستغفارَ له، وتبرَّأ منه.

روى البخاريُّ عن أبي هريرة عن النَّبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: «يَلْقَى إِبْرَاهِيمُ أَبَاهُ آَزَرَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَعَلَى وَجْهِ آَزَرَ قَتَرَةٌ وَغَبَرَةٌ، فَيَقُولُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ لَا تَعْصِنِي؟ فَيَقُولُ لَهُ أَبُوهُ: فَاليَوْمَ لَا أَعْصِيكَ.

فَيَقُولُ إِبْرَاهِيمُ: يَا رَبِّ إِنَّكَ وَعَدْتَنِي أَنْ لَا تُخْزِيَنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ، فَأَيُّ خِزْيٍ أَخْزَى مِنْ أَبِي الأَبْعَدِ؟ فَيَقُولُ اللهُ: إِنِّي حَرَّمْتُ الجَنَّةَ عَلَى الكَافِرِينَ.

ثُمَّ يُقَالُ يَا إِبْرَاهِيمُ انْظُرْ مَا تَحْتَ رِجْلَيْكَ؟ فَيَنْظُرُ، فَإِذَا هُوَ بِذِبْحٍ مُتَلطِّخٍ، فَيُؤْخَذُ بِقَوَائِمِهِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ». هكذا رواه في قصَّة إبراهيم منفردًا.

وقد نشأ إبراهيمُ - عليه السَّلام - وَسَطَ فَرِيقَيْنِ ضَالَّيْنِ، فَرِيقٍ كانوا يعبدون الأصنام ويتمسَّحون بها، ويدعونها رَغَبًا وَرَهَبًا، وَيَرْجُونَ منها جَلْبَ الخير وَدَفْعَ الضُّرِّ، وَفَرِيقٍ كانوا يعبدون الكواكب ويصنعون لها الهَيَاكِلَ، ويسمُّونها بأسماء ما أنزل الله بها مِنْ سُلْطَانٍ.

ولكنَّه - عليه السَّلامُ - كان بِمَعْزِلٍ عن هؤلاء وهؤلاء؛ فقد عَصَمَهُ اللهُ مِنْ زَلَّاتِهِمْ ومعتقداتهم الفاسدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت