فهرس الكتاب

الصفحة 438 من 581

قوله: {فَلْيَدْعُنَادِيَهُ} : النَّادِي المَجْلِسُ الَّذي يجتمع فيه القوم، والمرادُ أَهْلُ النَّادي؛ لِيَنْتَصِرَ بهم. إنَّ أَبَا جَهْلٍ مَرَّ بالنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وهو يُصَلِّي فَقَالَ: أَلَمْ أَنْهَكَ؟ فَأَغْلَظَ لَهُ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: أَتُهَدِّدُنِي وَأَنَا أَكْثَرُ أَهْلِ الوَادِي ناديًا؟ فَنَزَلَ.

قوله: {سَنَدْعُالزَّبَانِيَةَ} :وهدَّده اللهُ بملائكة العذاب، ولاشكَّأنَّهناك فَرْقًا بين ملائكة العذاب ونادي قريشٍ؛ فملائكةُ العذاب غِلاظٌ شِدَادٌ.

خُتِمَتِ السُّورَةُ بِتَوْجِيهِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - إلى عَدَمِ الإِصْغَاءِ لِهَذَا الشَّقِيِّ المتمرِّدِ.

قوله: {كَلَّالَاتُطِعْهُوَاسْجُدْوَاقْتَرِبْ} :المُرَادُ بالسُّجُودِ هنا الصَّلاةُ، لَكِنْ عَبَّرَ بالسُّجود عن الصَّلاة؛ لأنَّ السُّجُودَ رُكْنٌ في الصَّلاة لا تَصِحُّ إلاَّ به.

والصَّلاةُ أَفْضَلُ أَعْمَالِ العَبْدِ، وكان السُّجُودُ أَفْضَلَ أَرْكَانِهَا الفِعْلِيَّةِ، وَسِرَّهَا الَّذي شُرِعَتْ لأَجْلِهِ.

قال ابنُ القيِّم: «السُّجُودُ سِرُّ الصَّلاة، وَرُكْنُهَا الأعظمُ، وخاتمةُ الرَّكعة، وما قبلها من الأركان كالمقدِّمات له» .

إنَّ السُّجُودَ مِنْ أَعْظَمِ القُرَبِ إلى الله، و لمَّا طَلَبَ الرَّجُلُ مُرَافَقَةَ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - في الجَنَّةِ، أَمَرَهُ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ.

و هذا نبيُّنا مُحَمَّدٌ - صلى الله عليه وسلم - في حديث الشَّفاعة خَرَّ سَاجِدًا لله يَوْمَ القيامة، كان النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - إذا أَتَاهُ مَا يَسُرُّهُ خَرَّ سَاجِدًا لله.

كلُّ شَيْءٍ يسجد لله حتَّى الشَّمس تسجد لله، ففي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ لمَّا غربت الشَّمس: «إِنَّهَا تَذْهَبُفَتَسْجُدُ تَحْتَ العَرْشِ» متفق عليه.

السُّجُودُ يَوْمَ القيامة سُجُودُأَهْلِ الإيمان، ومنع أهل النِّفاق.

ولمَّا عَلِمَتِ السَّحَرَةُ صِدْقَ موسى - عليه السلام - وَكَذِبَ فِرْعَوْنَ، خَرُّوا سُجَّدًا لربِّهم، فكانت تِلْكَ السَّجْدَةُأَوَّلَ سَعَادَتِهِمْ، وَغُفْرَانِ مَا أَفْنَوْا فيه أعمارَهم من السِّحْرِ؛ لأنَّ العَبْدَ بِقَدْرِ ما يَبْعُدُ عَنْ نَفْسِهِ يَقْرُبُ مِنْ رَبِّهِ.

والسُّجُودُ حَالَةُ قُرْبٍ، وَحَالَةُ القُرْبِ مَقْبُولٌ دُعَاؤُهَا؛ ففي الحديث: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ العَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ» . رَوَاهُ أحمد ومسلمٌ. وهو مُوَافِقٌ لقوله تعالى: {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} . كذا قال النَّوويُّ.

وَسُمِّيَتْ بالقَدْرِ؛ لأنَّها ذَاتُ قَدْرٍ عَظِيمٍ، وَتُقْدَرُ فيها المَقَادِيرُ.

هذه السُّورَةُ الجَلِيلَةُ العظيمة تتحدَّث عن بَدْءِ نُزُولِ القرآن العظيم في رمضانَ، الَّذي به الهدى والسَّعادة في الدُّنيا والآخرة، وعن فضل ليلة القَدْرِ على سائر الأيَّام والشُّهور، يقضي الله فيها كلَّأَجَلٍ، وَعَمَلٍ، وَرِزْقٍ، إلى مِثْلِهَا، وما يكون في السَّنَةِ مِنْ مَوْتٍ، وَحَيَاةٍ، ورزقٍ، ومطرٍ، وتحدَّثت عن نزول الملائكة الأبرار حتَّى مطلع الفجر.

قوله: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} : «إنَّا» الضَّمِيرُ يَعُودُ على الله، وَجَاءَ بِصِيغَةِ الجمع للتَّعظيم.

{أَنْزَلْنَاهُ} :الصَّحِيحُأنَّ الإِنْزَالَ للقُرْآَنِ نُزُولان وهما:

1 -نَزَلَ القُرْآَنُ مِنَ اللَّوْحِ المحفوظ في ليلة القَدْرِ إلى بيت العزَّة من السَّماء الدُّنيا كاملًا مكتوبًا، وكان ذلك في شهر رمضان، في ليلة القَدْرِ منه.

2 -أنَّ اللهَ - سبحانه وتعالى - تكلَّم بالقرآن، وأنزله جِبْرِيلُ - عليه السلام - إلى النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مُتَفَرِّقًا في ثلاثٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً على حَسَبِ الأَحْدَاثِ والوقائع، وقد فرَّقنا في سورة الواقعه بين كتابة القرآن في اللوح، و تكلم الله به عند نزوله.

والحِكْمَةُ مِنْ نُزُولِ القرآن مفرَّقًا لتثبيت قلب النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -؛ فَلَمْ يَنْزِلْ جُمْلَةً وَاحِدَةً، بل حَسَبَ الحَوَادِثِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت