وهذه صِفَةٌ عَامَّةٌ في الإنسان إلاَّ المُؤْمِنَ؛ يَعْلَمُأنَّ المَالَ مِنَ الله، والصِّحَّةَ من الله، والقوَّةَ مِنَ الله، وَيَعْلَمُأنَّه لا يستغني عن الله طَرْفَةَ عَيْنٍ، فَيَزْدَادُ شُكْرُهُ لله.
لَكِنْ مَنْ كَفَرَ أَوْ ضَعِيفُ الإيمان يَطْغَى؛ فَإِنْ أَغْنَاهُ اللهُ بَطِرَ، وَإِنْ أَعْطَاهُ الصِّحَّةَاغْتَرَّ، ولم يعلم أنَّه قد يَسْلُبُهُ في لحظةٍ، ويتراءى له أنَّه استغنى، سَوَاءٌ بماله، أو بقوَّته، أو جاهه.
وَمَنْ تَأَمَّلَ كلَّ صُوَرِ الطُّغْيَانِ جَمِيعًا يجد أنَّ الطُّغْيَانَ عَمَلٌ قَلْبِيٌّ ينشأ عند الإنسان حينما يشعر بالاستغناء؛ فَحِينَمَا يستغني بنفسه ويستغني عن ربِّه، يَنْشَأُ عنده هذا الدَّاءُ العُضَالُ.
وَسَبَبُهُ الإعجابُ بما هو فيه من القوَّة، والصِّحَّة، والغِنَى، والسُّلْطَةِ، ولا غِنَى عن الله- تعالى - طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَمَنِ اسْتَغْنَى عن الله طَرْفَةَ عَيْنٍ، فَقَدْ كَفَرَ.
ولذلك إذا أُصِيبَ الإنسانُ بِمُصِيبَةٍ، فليعلم أنَّها نِعْمَةٌ من الله؛ لأنَّه إذا لم يَبْتَلِه اللهُ طَغَى.
قوله: {إِنَّإِلَارَبِّكَالرُّجْعَى} ؤ: تَوَعَّدَهُ اللهُ بأنَّ المَرْجِعَ عِنْدَهُ في الآخرة؛ فيجازيَ الإنسانَعَلَى كُفْرَانِهِ وَعِصْيَانِهِ.
وَفِيهَا تَهْدِيدٌ لهذا الإنسان الَّذي طغى حين رأى نَفْسَهُ مُسْتَغْنِيًا عن ربِّه.
لمَّا ذَكَرَ طُغْيَانَ الإنسان، وَتَمَرُّدَهُ على أَوَامِرِ رَبِّهِ، بَيَّنَ بَعْدَهَا قِصَّةَ الشَّقِيِّأَبِي جَهْلٍ، وَنَهْيَهُ لِرَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -.
قوله: {أَرَأَيْتَالَّذِييَنْهَى} :قال المفسِّرون: «إنَّ النَّاهِيَ أَبُو جَهْلٍ، والعَبْدَ المُصَلِّي النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -» .
ففي «الصَّحِيحَيْنِ» ولفظ البخاريِّ عن ابن عبَّاسٍ، قال أبو جهلٍ: لَئِنْ رَأَيْتُ مُحَمَّدًا يُصَلِّي عند الكعبة، لَأَطَأَنَّ على عُنُقِهِ، فبلغ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فقال: «لَوْ فَعَلَهُ لَأَخَذَتْهُ المَلَائِكَةُ» .
وَرُوِيَأنَّه لَمَّا دَنَا قال: «عَرَضَ لِي دُونَهُ فَحْلٌ مِنَ الإِبِلِ، وَاللهِ مَا رَأَيْتُ مِثْلَ هَامَتِهِ وَلَا قَصْرَتِهِ، وَلَا أَنْيَابِهِ لِفَحْلٍ قَطُّ، فَهَمَّ أَنْ يَأْكُلَنِي» .
وقيل: إنَّه لمَّا أراد أن يُنْفِذَ وَعيدَهُ حَالَ بَيْنَهُ وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خَنْدَقٌ من نارٍ، وهولٍ، وأجنحةٍ.
قوله: {أَرَأَيْتَإِنْكَانَعَلَاالْهُدَى} :يَعْنِي إذا كان هذا السَّاجدُ على الهدى، فَكَيْفَ تَنْهَاهُ عنه؟
قوله: {أَوْأَمَرَبِالتَّقْوَى} :إذا أَمَرَ بطاعة الله فكيف تنهاه؟
قوله: {أَرَأَيْتَإِنْكَذَّبَوَتَوَلَّى} :كذَّب بالقول، وتولَّى بالفعل.
قوله: {أَلَمْيَعْلَمْبِأَنَّاللَّهَيَرَى} :معناه أَيْ: ما يَخَافُ اللهَ، واللهُ يَرَى صَنِيعَهُ وَكُفْرَهُ.
اللهُ يرى - سبحانه وتعالى - علمًا ورؤيةً؛ فهو- سبحانه - يرى كلَّ شَيْءٍ مَهْمَا خَفِيَ وَدَقَّ، ويعلم كلَّ شَيْءٍ مَهْمَا بَعُدَ.
فاللهُ يَعْلَمُ الآَمِرَ، والنَّاهي، وَيَعْلَمُ المصلِّي، والسَّاجد، ويعلم مَنْ طَغَى، وَمَنْ خَضَعَ لله - عَزَّ وَجَلَّ - وسيجازي كلَّ إِنْسَانٍ بِعَمَلِهِ.
والمقصودُ من هذا تهديدُ الَّذي ينهى عبدًا إذا صلَّى.
قوله: {كَلَّالَئِنْلَمْيَنْتَهِبِالنَّاصِيَةِ} :هنا هدَّده اللهُ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ عن كُفْرِهِ وَتَهْدِيدِهِ، {لَنَسْفَعَا}
وهي جَوَابٌ لِقَسَمٍ مُقَدَّرٍ «واللهِ لَئِنْ لم ينته لنسفعنَّ» .
ومعنى {لَنَسْفَعَا} أَيْ: لَنَأْخُذَنَّ بِشِدَّةٍ.
السَّفْعُ هو القَبْضُ، والمرادُ يُقَادُ بالنَّاصية؛ إِهَانَةً له.
{نَاصِيَةٍكَاذِبَةٍخَاطِئَةٍ} أَيْ: كَاذِبَةً في القول، وخاطئةً بالفعل.
وفي العصر الحديث وُجِدَأنَّ المُخَّ الَّذي تَحْتَ الجَبْهَةِ مُبَاشَرَةً «النَّاصِيَةَ» هو المسئولُ عن الكذب والخطأ، وأنَّه مَصْدَرُ اتِّخاذ القرارات.
و {مَّا مِن دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا} .
وَفِي الحديث: «اللَّهمَّ إِنِّي عَبْدُكَ ابْنُ عَبْدِكَ ابْنُ أَمَتِكَ نَاصِيَتِي بِيَدِكَ» رواه احمد و الطبراني و البزار.
وَلِحِكْمَةٍ إِلَهِيَّةٍ شَرَعَ اللهُ أن تسجد هذه النَّاصِيَةُ، وَأَنْ تُطَأْطِئَ لَهُ.