ففي الحديث عند مسلمٍ: «إِذَا مَرَّ بِالنُّطْفَةِ ثِنْتَانِ وَأَرْبَعُونَ لَيْلَةً، بَعَثَ اللهُ إِلَيْهَا مَلَكًا، فَصَوَّرَهَا وَخَلَقَ سَمْعَهَا وَبَصَرَهَا وَجِلْدَهَا وَلَحْمَهَا وَعِظَامَهَا، ثُمَّ قَالَ: يَا رَبِّ أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟ فَيَقْضِيَ رَبُّكَ مَا شَاءَ، وَيَكْتُبُ المَلَكُ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا رَبِّ أَجَلُهُ، فَيَقُولُ رَبُّكَ مَا شَاَءَ، وَيَكْتُبُ المَلَكُ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا رَبِّ رِزْقُهُ، فَيَقْضِي رَبُّكَ مَا شَاءَ، وَيَكْتُبُ المَلَكُ، ثُمَّ يَخْرُجُ المَلَكُ بِالصَّحِيفَةِ فِي يَدِهِ، فَلَا يَزِيدُ عَلَى مَا أُمِرَ وَلَا يَنْقُصُ» .
وَيُؤَكِّدُهُ: {ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى} .
إنَّ للإنسان أَرْبَعَ دُورٍ:
-الدَّارُ الأولى: في بَطْنِ أمِّه .. دَارُ التَّكْوِينِ، وليس مَطْلُوبٌ منه أَيُّ شَيْءٍ.
-الدَّارُ الثَّانِيَةُ: في الدُّنيا .. مِنَ الوِلادَةِ إلى البُلُوغِ، تُكْتَبُ له الحسناتُ ولا تُكْتَبُ عليه السَّيِّئَاتُ.
فَفِي الحَدِيثِأنَّ امْرَأَةً رَفَعَتْ رَضِيعًا لها فَقَالَتْ: أَلِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَلَكِأَجْرٌ» رواه مسلم و البيهقي و الطبراني.
وَبَعْدَ البُلُوغِ يَجْرِي عليه القَلَمُ، وَتُكْتَبُ حَسَنَاتُهُ وَسَيِّئَاتُهُ.
-الدَّارُ الثَّالِثَةُ: في البَرْزَخِ .. دار الانتظار.
وهي مرحلةٌ مُؤَقَّتَةٌ، وسمِّيت زيارةً؛ {حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ} لأنَّ الزَّائِرَ لابُدَّأَنْ يَعُودَإلى دار القرار، ولو طالت الزِّيارةُ.
-الدَّار الرَّابعة: دارُ القرار؛ إمَّا الجنَّة أو النَّار، وهي المُنْتَهَى.
قوله: {اقْرَأْوَرَبُّكَالْأَكْرَمُ} :لأنَّ التَّكْرِيمَ حَاصِلٌ بالعلم.
اقْرَأْ -أيُّها النَّبيُّ- ما أُنْزِلَ إليك، وإنَّ ربَّك لكثيرُ الإحسان وَاسِعُ الجُودِ.
نِعْمَتَانِ متكاملتان: الإيجادُ مِنَ العَدَمِ بالخَلْقِ، والإيجادُ الثَّاني من الجهل إلى العلم، ولا يكون هذا كلُّه إلاَّ من الرَّبِّ الأكرم سبحانه.
فهو «الأَكْرَمُ» في ذاته، وأوصافه، وأفعاله، وهذا الخَلْقُ والتَّعليم إنَّما نَشَأَ مِنْ كَرَمِهِ، وَبِرِّهِ، وإحسانه.
قوله: {الَّذِيعَلَّمَبِالْقَلَمِ} :الَّذي خَلْقَهُ علَّم الكِتَابَةَ بالقلم، فما قال {علَّم} فَقَطْ، بل نَصَّ على النِّعمة المخصوصة نِعْمَةِ القلم العظيمة على عباده؛ فعلَّم النَّاس- سبحانه- بالقَلَمِ.
فَلَوْلَا العِلْمُ بالقَلَمِ لانْدَثَرَتْ عُلُومٌ كَثِيرَةٌ؛ فالتَّعْلِيمُ بالقَلَمِ فيه فَوَائِدُ عَظِيمَةٌ؛ فلولا القَلَمُ لم يَقُمْ دِينٌ، وَلَمْ يَصْلُحْ مَعَاشٌ.
عِلْمُ الإِنْسَانِ مُتَوَقِّفٌ على تعلُّم الكتابة والقراءة، ذَكَرَ التَّعْلِيمَ بِالقَلَمِ الَّذي هو مِنْ أَعْظَمِ نِعَمِهِ على عباده؛ إِذْ بِهِ تُخَلَّدُ العلومُ، وَتُثْبَتُ الحُقُوقُ، وَتُعْلَمُ الوَصَايَا.
الإنسانُ في بِدَايَةِ أَمْرِهِ جَاهِلٌ، فَمَنْ عَلَّمَ الجَاهِلَ بالقلم، يُعَلِّمُ غَيْرَهُ بدون القلم.
القَلَمُ مِنْ آَيَاتِ الله، ولولا القَلَمُ لَنَسِيَ الإنسانُ عُلُومًا كَثِيرَةً.
قوله: {عَلَّمَالْإِنْسَانَمَالَمْيَعْلَمْ} :أي نَقَلَهُ مِنْ ظُلْمَةِ الجَهْلِ إلى نور العِلْمِ. {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا} .
عَلَّمَ الإِنْسَانَ مالم يعلم عن طريق الوحي، والنَّاسُ تَعَلَّموا علومَ الدُّنيا، وأهملوا علومَ الدِّين؛ فَعَلَّمَ اللهُ الإِنْسَانَ مالم يَعْلَمْ؛ علَّمه الكلامَ؛ فتكلَّم، وأعطاه الذِّهْنَ الَّذي يَعِي به، واللِّسَانَ الَّذي يترجم به، والبَنَانَ الَّذي يَخُطُّ به.
فاللهُ - تعالى - الَّذي علَّم الإنسانَ ما لم يَعْلَمْ، وكلُّ ما تعلَّمه الإنسانُ فَهُوَ من الله؛ {تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللهُ} .
لماذا ذَكَرَ اللهُ مَرَاتِبَ الوُجُودِ؛ الخَلْقَ وَالعِلْمَ وَالكَرَمَ واستدعى إليه؟ بَيَّنَ بعدها حالةَ الإنسان الكافر والفاجر مع هذه النِّعَمِ هل يشكرها أم لا، وَذَكَرَ طُغْيَانَ الإنسان وتمرُّدَه على أوامر ربِّه.
قوله: {كَلَّاإِنَّالْإِنْسَانَلَيَطْغَى} :فَسَبَبُ طُغْيَانِهِ رُؤْيَةُ غِنَى نَفْسِهِ، وَسَبَبُ هَلاكِهِ اسْتِغْنَاؤُهُ عن رَبِّهِ.