فهرس الكتاب

الصفحة 435 من 581

فَذَكَرَ ما راه فطمأنته زوجتُه: «لا والله لا يخزيك اللهُ» ، وقال: «زَمِّلُونِي» ثمَّ فَتُرَ بَعْدَهَا الوحيُأَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثمَّ عَادَ إِلَيْهِ المَلَكُ، وجاءه جبريلُ وهو متدثِّرٌ بالفراش فقال: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنذِرْ} .

إذا تَبَيَّنَ هذا كلُّه، ذَكَرَ اللهُ في بداية هذه السُّورة خَمْسَ آَيَاتٍ هي افتتاحيَّةُ الوحي، وكان مَوْضِعَ عِنَايَةِ المفسِّرين، وفيها مراتبُ الوجود الأربعة؛ عُمُومُ الخَلْقِ، ثمَّ خُصُوصُ خَلْقِالإنسان، التَّعْلِيمُ بالقلم الَّذي هو مِنْ أعظم نِعَمِهِ على عباده، والخلقُ والتَّعْلِيمُ إنَّما نَشَأَ مِنْ كَرَمِهِ، وَبِرِّهِ، وإحسانِه.

ومختصرُ القول: أَسْنَدَ اللهُ إليه مَرَاتِبَ الوجود الخَلْقَ، والتَّعْلِيمَ، والكَرَمَ؛ فَهُوَ مُعْطِيهَا وَمُسْدِيهَا وَحْدَهُ، وَبَيَّنَ اللهُ في فاتحة هذه السُّورة فَضْلَ القراءة، والكتابة، والعلم بجميع أنواعه.

قوله: {اقْرَأْبِاسْمِرَبِّكَالَّذِيخَلَقَ} :بدأت السُّورةُ بالدَّعوة إلى القراءة والتَّعَلُّمِ، وَخُتِمَتْ بالصَّلاة والتَّعَبُّدِ؛ ليقترن العلمُ بالعمل.

لماذا أمره بالقراءة رَغْمَأنَّ نَبِيَّنَا - صلى الله عليه وسلم - كان أُمِّيًّا لا يقرأ ولا يكتب؟ لأنَّ القراءةَ تكون من شَيْءٍ مكتوبٍ، أو من شيءٍ محفوظٍ، وأمره بالقراءة من المحفوظ، وتلاوة ما سيلقيه عليه جبريل - عليه السلام -.

اقْرَأْ - يا مُحَمَّدُ - صلى الله عليه وسلم - ما أُنْزِلَ إليك من القرآن، مفتتحًا باسم ربِّك المتفرِّد بالخَلْقِ.

اقْرَأْ؛ لأنَّه مَا أَحَدٌ يَأْتِيهِ عِلْمٌ بدون قراءةٍ، وبدون تعلُّمٍ، وقد أشار السِّيَاقُ إلى نَوْعَيِ القراءة المكتوب والمحفوظ.

وكان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أُمِّيًّا لا يقرأ ولا يكتب؛ صِيَانَةً للرِّسَالَةِ، ولم يَقُلِ الشِّعْرَ، وما ينبغي له؛ حتَّى لا يرتابَ المُبْطِلُونَ.

قوله: {بِاسْمِرَبِّكَ} :أي مستفتحًا ومستعينًا بالله، فما تقرؤه هو من ربِّك؛ ليس من عندك، ولا من عند جبريل - عليه السلام - الَّذي يُقْرِئُكَ.

قوله: {الَّذِيخَلَقَ} :من صفات الرَّبِّ الخَلْقُ؛ لأنَّها أَجْمَعُ الصِّفات للتَّعريف بالله لِخَلْقِهِ؛ هي الخَلْقُ، وكلُّ مَخْلُوقٍ لابُدَّ له من خَالِقٍ، ولا أَحَدَ يستطيع أَنْ يَخْلُقَ شَيْئًا.

مُمْكِنٌأن يُنْسَبَ إلى الإنسان صناعةُ شيءٍ؛ فَيَصْنَعَ بَابًا، لكن يوجده من العدم؟ مُسْتَحِيلٌ؛ فَقَدْ يَسْتَغِلُّ أشياءَ موجودةً، فيجمعها، فيُطْلَقُ عليه صانعٌ، أمَّا الإيجادُ مِنَ العدم فلا يَخْلُقُ مِنَ العدم إلاَّ اللهُ وَحْدَهُ.

فالخلقُ من براهين التَّوحيد؛ لأنَّ الخَلْقَ من خصائص الله؛ فله الخَلْقُ والأَمْرُ، ومن له الخَلْقُ، فله الأمرُ والنَّهْيُ.

أمَّا غَيْرُهُ فَلَيْسَ لَهُ أَمْرٌ ولا نَهْيٌ، ولا أَحَدَ يستطيع أَنْ يَخْلُقَ شَيْئًا إلاَّ اللهُ.

كلُّ علماء الدُّنيا لا يستطيعون خَلْقَ شَيْءٍ، لَكِنْ مُمْكِنٌأن يَجْمَعُوا أَشْيَاءَ يَصْنَعُونَهَا، أمَّا الخَلْقُ مِنَ العَدَمِ فهو لله وَحْدَهُ.

فمثلًا صِنَاعَةُ بَابٍ من الخشب، مَنِ الَّذي أَوْجَدَ الخَشَبَ؟ اللهُ. وَقِسْ عليه.

قوله: {خَلَقَالْإِنْسَانَمِنْعَلَقٍ} :العَلَقُ: هو الدَّمُ الجامدُ الغليظُ الأحمرُ الَّذي يَعْلَقُ بالرَّحِمِ، بسبب اجتماع ماء الرَّجل مع ماء المرأة.

بعد أَنْ ذَكَرَ اللهُ عُمُومَ الخَلْقِ، ذَكَرَ خُصُوصَ خَلْقِ الإنسان؛ لأنَّه مَوْضِعُ العِبْرَةِ، ثمَّ ذَكَرَ مَادَّةَ خَلْقِهِ مِنْ عَلَقٍ. أَيْ: مِنْ دَمٍ.

وهي حَالَةُ الجنين في الأيَّام الأولى لِخَلْقِهِ؛ فماءُ المرأة والرَّجل حينما يَبْقَى في الرَّحِمِأَرْبَعِينَ يَوْمًا يتحوَّل إلى دَمٍ، ثمَّ في الأربعين الثَّانية يتحوَّل لحمًا عَلَقَةً.

في الأربعين الثَّالِثَةِ تُنْفَخُ فيه الرُّوحُ إذا تَمَّ مِائَةً وعشرين يومًا؛ يَعْنِي أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، صَارَ حِينَئِذٍ إنسانًا.

بَقِيَ لماذا قال {خلق الانسان من علق} ؟

لأنَّ حَيَاتَهُ مُتَوَقِّفَةٌ على الدَّمِ، ولأنَّ العَلَقَةَ انْتَقَلَتْ في الطور.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت