سُمِّيت بذلك، لافتتاحها بها، والغاشيةُ هي القيامةُ، وهي تتحدَّث عن موضوعين أَسَاسِيَّيْنِوهما: الغاشية؛ وهي القيامة، وأحوالُها، وأهوالُها، وما يلقاه الكفَّارُ فيها من العَنَاءِ، والبلاء، وما يلقاه المؤمنُ فيها من السَّعادة والهناء.
والأمر الثَّاني: نَبَّهَ - سبحانه - على آياته الكونيَّة الدَّالَّة على قُدْرَتِهِ، كالإبل الَّتي بين أَيْدِي العَرَبِ خاصة، وَآَيَاتُ الله كثيرةٌ.
ثمَّ نَبَّهَ اللهُ رَسُولَهُ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه بَعَثَهُ مبلِّغًا لرسالاته، ولم يُرْسِلْهُ عليهم قاهرًا لهم وجبَّارًا؛ إنَّما هو مُبَلِّغٌ؛ فَمَنْأَطَاعَهُ فله الجنَّة، ومن عصاه فله النَّار.
وخُتِمَتِ السُّورةُ برجوع النَّاس إلى اللهِ جَمِيعًا للحساب والجزاء.
قوله: {هَلْأَتَاكَحَدِيثُالْغَاشِيَةِ} :هل أتاك يا مُحَمَّدُ - صلى الله عليه وسلم - وأمَّتُهُ تَبَعٌ له - حَدِيثُ الغاشية؟
هذا استفهامُ تَنْبِيهٍ وَتَشْوِيقٍ.
والغاشيةُ هي القيامة؛ سُمِّيَتْ غَاشِيَةً؛ لأنَّها تَغْشَى النَّاسَ بِهَوْلِهَا، وَشَدَائِدِهَا، وَأَحْدَاثِهَا.
والغاشيةُ هي المُغَطِّيَةُ؛ تغطِّي النَّاسَ بأهوالها وأحداثها.
ثمَّ ذَكَرَأحوالَ النَّاس عند الغاشية، وأنَّهم ينقسمون إلى قسمين:
-أَشْقِيَاءَ: وهم الكفَّارُ؛ لأنَّ اللهَ لَمَّا غَضِبَ على الكفَّار، جَعَلَهُمْ خَالِدِينَ في النَّار، نَعُوذُ بالله مِنْ غَضَبِهِ وَعِقَابِهِ.
قوله: {وُجُوهٌيَوْمَئِذٍخَاشِعَةٌ} :أَيْ ذَلِيلَةً ومنكسرةً؛ لِمَا اعترى أصحابَها من الخِزْيِ والهَوَانِ.
قوله: {عَامِلَةٌنَاصِبَةٌ} : أَيْ عَامِلَةً خَاسِرَةً، أي: عَمَلُهَا لا ينفعها؛ إمَّا لِفَقْدِ الإيمان، أَوْ فَقْدِ الإخلاص، أَوْ عَدَمِ صحَّة العمل؛ فهو على غير هدًى؛ فاهتمُّوا بالعمل، ولم يهتمُّوا بِصِحَّتِهِ.
فَمَصِيرُأَهْلِ الضَّلال مع كثرة عملهم الَّتي وصلت إلى مرحلة النَّصب ضَلالُ العَمَلِ؛ {قُلْهَلْنُنَبِّئُكُمبِالْأَخْسَرِينَأَعْمَالًا* الَّذِينَضَلَّسَعْيُهُمْفِيالْحَيَاةِالدُّنْيَاوَهُمْيَحْسَبُونَأَنَّهُمْيُحْسِنُونَصُنْعًا}
فَهُنَاكَ مَنْ يُصَلِّي تَخَلُّصًا، وهناك من يصلِّي تَقَرُّبًا؛ فالمتخلِّص ينقر صلاتَه.
وفي الحديث: «ارْجِعْ فَصَلِّ؛ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ» متفق عليه. فكان له نَصِيبٌ من قوله: {عَامِلَةٌنَاصِبَةٌ} وبعضُهم يصلِّي كالطِّفل، لا يرجو ثوابًا، ولا يخاف عقابًا؛ ينقرها نقرًا.
فقال له رَجُلٌ: لماذا تُسِيءُ في صلاتك؟ فقال: راحت. ولذلك قيل عاملة، لكنَّها على غير هدًى، أو تعمل أعمالًا لا تنفعها.
وقيل: «عاملةٌ تكلَّف أعمالًا شاقَّةً في النَّار، فكان عملُها غَيْرَ مُفِيدٍ؛ لِجَرِّهَا السَّلاسلَ والأغلالَ؛ إِذْلالًا لهم وَتَعْذِيبًا» .
قوله: {نَاصِبَةٌ} :النَّصَبُ هو التَّعَبُ؛ لا يمسُّهم فيها نَصَبٌ؛ وهمأَهْلُ الجنَّة؛ بِخِلافِأَهْلِ النَّار، فهم في تَعَبٍ وَنَصَبٍ.
نَاصِبَةٌ أَيْ: تَاعِبَةٌ؛ إمَّا بالعذاب أو بالعمل الَّذي لا يفيد؛ لأنَّ العَمَلَ الَّذي لا يُفِيدُ صَاحِبُهُ في عذابٍ
رُوِيَ أنَّ عُمَرَ بْنِ الخطَّاب - رضي الله عنه - لَمَّا قَدِمَ الشَّامَ، أَتَاهُ رَاهِبٌ شَيْخٌ كَبِيرٌ عَلَيْهِ سَوَادٌ، فلمَّا رآه عُمَرُ بَكَى، فقيل له: ما يُبْكِيكَ يا أَمِيرَ المؤمنين إنَّه نصرانيٌّ؟ فقال: ذَكَرْتُ قَوْلَ الله عزَّ وجلَّ: {عَامِلَةٌنَاصِبَةٌتَصْلَانَارًاحَامِيَةً} فَبَكَيْتُ رحمةً عليه.
وكلُّ من لا يُخْلِصُ، ولا يتَّبع هَدْيَ نبيِّنا - صلى الله عليه وسلم - له نَصِيبٌ من هذه الآية.
قُلْ لِمَنْ لا يُخْلِصُ: لا تَتْعَبْ! إنَّ الله - سبحانه وتعالى - لا يَقْبَلُ مِنَ العَمَلِ إِلاَّ ما تحقَّق فيه شرطان: الإخلاصُ، والمتابعة.
قال ابنُ القَيِّمِ: «العَمَلُ بِغَيْرِ إخلاصٍ، ولا اقتداءٍ، كالمسافر يملأ جِرَابَهُ رَمْلًا يُثْقِلُهُ، ولا يَنْفَعُهُ» .