فهرس الكتاب

الصفحة 399 من 581

فَخُتِمَتِ السُّورَةُ بِبَيَانِ فَوْزِ من طَهَّرَ نَفْسَهُ من الذُّنوب والآثام، وزكَّاها بصالح الأعمال.

قوله: {قَدْأَفْلَحَمَنْتَزَكَّى} : هو مَنْ يَخْشَى، وهذا هو سَبَبُ انْتِفَاعِهِمْ بالذِّكْرَى، واستفادتهم منها. وَذَكَرَ لهم ثَلاثَ خِصَالٍ.

حرفُ «قَدْ» يَأْتِي للتَّحْقِيقِ؛ مثل: {قَدْأَفْلَحَ} ومثل: {قَد قامت الصلاة} وقد تأتي للتَّقليل.

{مَنْتَزَكَّى} التَّزْكِيَةُ تَكُونُ بالنَّفْسِ، وَتَكُونُ بالمال.

وَتَزْكِيَةُ النَّفْسِ تَطْهِيرُهَا من الشِّرك والمعاصي، وَتَطْهِيرُهَا بالتَّوحيد وبالإيمان والطَّاعات.

وَتَزْكِيَةٌ بالمال بالزَّكاة والصَّدقة تَزْكُو بها النُّفُوسُ والأموالُ.

حياةُ المؤمن سَعِيدَةٌ، وَقَائِمَةٌ على الطَّهارة، والتَّوحيد، والطَّاعة، وَحَيَاةُ الكافر شَقِيَّةٌ، وَتَعِيسَةٌ؛ فَهِيَ قَائِمَةٌ على النَّجاسة، والشِّرك، والمعاصي.

قوله: {وَذَكَرَاسْمَرَبِّهِفَصَلَّى} :هنا نَصَّ على العبادة القوليَّة. و {صَلَّى} عِبَادَةٌ عَمَلِيَّةٌ.

وَنَصَّ على الصَّلاة؛ لأنَّها مِفْتَاحُ الخَيْرِ، وَمُقَدِّمَةُ الأَعْمَالِ، والصَّلاةُ تَشْمَلُ الفريضةَ والنَّافلةَ.

لمَّا ذَكَرَ اللهُ سَبَبَ المنتفعين بالذِّكر والتَّذكير، وذكر لهم ثَلاثَ خِصَالٍ: الخَشْيَةَ، والذِّكر لله في كلِّأحيانه، والصَّلوات الخَمْسَ والنَّوَافِلَ، ذَكَرَ بَعْدَهَا سَبَبَإِعْرَاضِ الأشقياء عن الذِّكْرِ، بِسَبَبِ حبِّهم للدُّنيا.

يَقُولُ الشَّيخُ مُحَمَّدُ بْنِ عَبْدِ الوهَّاب: «قَدْ لا يَمْنَعُ الإنسانَ مِنْ قَبُولِ الحَقِّ عَدَمُ مَعْرِفَةِ الحقِّ، ولكن بسبب حبِّ الدُّنيا، آَثَرَهَا على الدِّين؛ {ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ} » .

قوله: {بَلْتُؤْثِرُونَالْحَيَاةَالدُّنْيَا} : ما هَلَكَ مَنْ هَلَكَ إلاَّ بسبب حبِّ الدُّنيا، فأمَّا مَنْ طَغَى وَآَثَرَ الحياةَ الدُّنيا، فإنَّ الجَحِيمَ هي المَأْوَى.

كلُّ مَنْآَثَرَ عَمَلًا مِنْ أَعْمَالِ الدُّنيا على أمور الدِّين، فقد آَثَرَ الدُّنيا على الآخرة.

غالبُ من يصلِّي الفقراء، ومن يحضر المساجد، والمواعظ ويحبُّ الخير غالبُّهم فقراء؛ {قَالَنُوحٌرَّبِّإِنَّهُمْعَصَوْنِيوَاتَّبَعُوامَنلَّمْيَزِدْهُمَالُهُوَوَلَدُهُإِلَّاخَسَارًا} .

اتَّبعوا الأغنياء والمستكبرين وأهل الدُّنيا، ففي «مسند أحمد» : «الدُّنيا دَارُ مَنْ لا دارَ له، ولها يَجْمَعُ مَنْ لا عَقْلَ له» .

وحديث: «مَنْ أَحَبَّ دُنْيَاهُ أَضَرَّ بِآَخِرَتِهِ، وَمَنْ أَحَبَّ آَخِرَتَهُ أَضَرَّ بِدُنْيَاهُ، فَآَثِرُوا مَا يَبْقَى عَلَى مَا يَفْنَى» .رواه أحمد و ابن حبان، و صححه الألباني في «السِّلسلة الصحيحة» .

قوله: {وَالْآَخِرَةُخَيْرٌوَأَبْقَى} : والدَّارُ الآخرةُ بما فيها من النَّعيم المقيم خَيْرٌ من الدُّنيا وَأَبْقَى.

قوله: {إِنَّهَذَالَفِيالصُّحُفِالْأُولَى} :روى ابنُ مِرْدَوَيْهِ والآجُرِّيُّ عن أبي ذَرٍّ قال: «قلتُ يا رسولَ الله: هل أُنْزِلَ عليك شَيْءٌ ممَّا كان في صُحُفِ إبراهيم وموسى؟ قال: نَعَمْ. {قَدْأَفْلَحَمَنتَزَكَّى (14) وَذَكَرَاسْمَرَبِّهِفَصَلَّى (15) بَلْتُؤْثِرُونَالْحَيَاةَالدُّنْيَا (16) وَالْآخِرَةُخَيْرٌوَأَبْقَى} » .

قوله: {صُحُفِإِبْرَاهِيمَوَمُوسَى} : جَمْعُ «صَحِيفَةٍ» ؛ أَيْ أنَّ إِبْرَاهِيمَ - عليه السلام - كانت له صُحُفٌ، وأنَّ موسى - عليه السلام - كانت له صُحُفٌ كَثِيرَةٌ، وهي مجموع صُحُفِ أَسْفَارِ التَّوراة.

تمَّت، ولله الحمدُأوَّلًا وَآَخِرًا وظاهرًا وباطنًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت