المقدِّمة:
الحَمْدُ لله وَحْدَهُ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على مَنْ لا نَبِيَّ بَعْدَهُ .. وَبَعْدُ.
هذا مبحث لطيف حول قصص الانبياء جمعته للتعرف على أحوال صفوة الخليقه وتجارب الدعوة في الأرض.
فإنَّ اللهَ قَصَّ على نَبِيِّهِ - صلَّى الله عليه وسلَّم - القَصَصَ القُرْآَنِيَّ تثبيتًا لِفُؤَادِهِ وَبَيَانًا لِشَرَفِهِ وَشَرَفِأُمَّتِهِ.
ويتبيَّن في هذا القَصَصِ كيف عوفي نبيُّنا محمَّدٌ - صلَّى الله عليه وسلَّم - وعُوفِيَتْأُمَّتُهُ، وَجَاءَ بِشَرِيعَةٍ سَمْحَةٍ.
وخفَّف اللهُ عن هذه الأمَّة مَا شَدَّدَهُ على الأُمَمِ الَّتي قَبْلَنَا، وَرَفَعَ اللهُ عن هذه الأمَّة الأَغْلالَ وَالأَثْقَالَ والشَّدَائِدَ الَّتِي كانت على الأُمَمِ السَّابِقَةِ، وَأَسْبَغَ على هذه الأمَّةِ نِعَمَهُ الدِّينيَّة والدُّنْيَوِيَّةَ.
وقصَّ اللهُ عَلَيْنَا قصصَ الأَنْبِيَاءِ وَمَنْ كان قَبْلَنَا للعبرة والعِظَةِ والتَّأْدِيبِ والتَّهْذِيبِ؛ {فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِه} .
وهذه القَصَصُ لَيْسَتْ لِلتَّسْلِيَةِ، وإنَّما للعِبْرَةِ والعِظَةِ والاعْتِبَارِ؛ فَحِينَمَا نُورِدُ قِصَّةً ينبغي أن نُطِيلَ الفِكْرَ فيها؛ حتَّى نَسْتَخْلِصَ العِبَرَ وَالفَوَائِدَ.
فمثلًا مَرْتَبَةُ الخلَّة الَّتي بَلَغَهَا الخليلان نبيُّنا محمَّدٌ - صلى الله عليه وسلم - وَنَبِيُّ الله إِبْرَاهِيمَ - عليه السلام - فهي أعلى درجات المحبَّة؛ تحبُّ اللهَ بقلبك كلِّه وتُرْضِيهِ بجهدك كلِّه.
وَمِنْ هُنَا أَحْبَبْتُ الوُقُوفَ على قَصَصِ الأنبياء والصَّالحين؛ لِمَا لها من فَوَائِدَ عَظِيمَةٍ؛ فللقصَّة في حَدِّ ذَاتِهَا آَثَارُ جَلِيَّةٌ على النَّفْسِ البشريَّة، ولذلك كَثُرَ ورودُها في الآياتالقرآنيَّة.
والقصَّة حينما تَحْمِلُ في طَيَّاتِهَا مَعَانِيَ جَلِيلَةً فإنَّها تَغْرِسُ مَبَادِئَ الخَيْرِ في النَّفْسِ البشريَّة بِسُهُولَةٍ دُونَ قَصْدٍ وَدُونَ شُعُورٍ.
والإنسانُ بِطَبْعِهِ يَمِيلُ إلى سَمَاعِ القصص والأخبار. وهذا فِطْرَةٌ فِيهِ، فحينما تَحْمِلُ تِلْكَ القَصَصَ في طَيَّاتِهَا مَعَانِيَ شَرِيفَةً، فإنَّها تَتَغَلْغَلُ في النَّفْسِ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُ صَاحِبُهَا.
وفي المُقَابِلِإِذَا كَانَتْالقِصَّةُتَحْمِلُ في طَيَّاتِهَا مَعَانِيَ غَيْرَ طَيِّبَةٍ، فإنَّ تلك المعاني الخَبِيثَةَ تَسْرِي إلى النَّفْسِ وهي لا تَشْعُرُ.
وَمِنْ ثَمَّحَذَّرَ العُلَمَاءُ مِنْ رُؤْيَةِ المسلسلات والقصص الهابطةوالتَّافهة.
فيا للعجب لمن يترخَّص في سماع ورؤية القصص الهابطة، وهو يعلم أنَّ الطَّبْعَ لِصٌّ يَسْرِقُ من المخالطة والسَّماع.
يقول ابنُ الجوزيِّ: «ما رَأَيْتُ أَكْثَرَ أذًى للمؤمن من مُخَالَطَةِ مَنْ لا يَصْلُحُ؛ فإنَّ الطَّبْعَ يَسْرِقُ» .
الأنبياء والمرسلون - عليهم السَّلام - هم أَصْدَقُ النَّاس حَدِيثًا، وهم المُبَلِّغُونَ رِسَالَةَ الله- تعالى- إلى عباده، ولذلك فقد أيَّدهم الله- تعالى - وَجَعَلَ فيهم من علامات الصِّدق ما يَحْمِلُ مَنْ سَمِعَهُمْ، أو رَأَىَهُمْ على عدم الارتياب في أنَّهم رُسُلُ الله -تعالى - حقًّا وَصِدْقًا.