واتَّخذه الله خليلًا، والخُلَّةُ هي غايةُ المحبَّة.
{وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ} قال: ابتلاه الله بالطَّهارة: خمسٍ في الرَّأس، وخمسٍ في الجسد، في الرَّأس: قصُّ الشَّارب، والمضمضة، والسِّواك، والاستنشاق، وفرق الرأس. وفي الجسد: تقليمُ الأظفار، وَحَلْقُ العانة، والختانُ، وَنَتْفُ الإِبِطِ، وغسلُ أثر الغائط والبول بالماء.
المقصودُ أنَّه - عليه الصَّلاة والسَّلام - كان لا يشغله القيام بالإخلاص لله - عزَّ وجلَّ - وخشوع العبادة العظيمة عن مراعاة مصلحة بَدَنِهِ، وإعطاء كلِّ عضوٍ ما يستحقُّه من الإصلاح والتَّحسين، وإزالة ما يَشِينُ من زيادةِ شَعْرٍ أو ظُفْرٍ أو وجودِ قلحٍ، أو وسخٍ.
وهو الَّذي وجده - عليه السَّلامُ - في السَّماء السَّابعة، مسندًا ظهرَه بالبيت المعمور، الَّذي يدخله كلَّ يَوْمٍ سبعون ألفًا من الملائكة، ثمَّ لا يعودون إليه آَخِرَ ما عليهم.
1 -بعد خروج إبراهيم - عليه السلام - من النَّار لم يَدْعُ على قومه بالهلاك أو طَلَبِ عذابهم، بل قال: {فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} .
2 -الأنبياء لاينتصرون لأنفسهم مهما حصل من أذًى ولا يغضبون إلاَّ لله؛ لِكَمَالِ إخلاصهم.
انظروا إلى نبيِّنا محمَّدٍ - صلَّى الله عليه وسلَّم: «مَا تَظُنُّونَ أَنِّي فَاعِلٌ بِكُمْ؟» رواه ابن إسحق ي السير و الطبري في التاريخ و هو ضعيف، بعدما فعلوا به الأفاعيل.
وانظروا إلى نبيِّ الله يوسف؛ كم فَعَلَ به إخوتُه وكم تسبَّبوا له بالأذى وفي النِّهاية: {لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيِوْم} .
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَال: «كَأَنِّي أَنْظُرُ إلى النَّبِيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - يَحْكِي نَبِيًّا مِنَ الأنبياء ضَرَبَهُ قَوْمُهُ فأدموه، وَهْوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ، وَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ» . أخرجه البخاريُّ.
3 -دعوةُ إبراهيم لأبيه فيها كيفيَّةُ نصيحة القرابة، وكيفيَّةُ أدائها؛ لتثمر وتؤتي أُكُلَهَا.
4 -بيَّن إبراهيمُ لِعَبَدَةِ الكواكب عدمَ صلاحيَّتها؛ لأنَّها تغيب تارةً وتطلع تارةً، والرَّبُّ لا يغيب عنه شيءٌ، ومُطَّلِعٌ على كلِّ شَيْءٍ.
5 -من لا يَلْبِسُ إيمانَه بِظُلْمٍ مطلقًا، لا بشركٍ، ولا بمعاصٍ، حَصَلَ له الأمنُ التَّامُّ، والهدايةُ التَّامَّةُ.
وإن كانوا لم يلبسوا إيمانَهم بالشِّرك وَحْدَهُ، ولكنَّهم يعملون السَّيِّئات، حصل لهم أصلُ الهداية، وأصلُ الأَمْنِ، وإن لم يحصل لهم كمالُها.
6 -الأخذُ بالأسباب من التَّوحيد، لكن يَقِينُإبراهيمَ بالله وهو يرى الموت حينما يُلْقَى في النَّار أبى أن يشكو حاله وحاجته لغير الله؛ ليحقِّق: «إِذَا سَأَلْتَفَاسْأَلِ اللهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَفَاسْتَعِنْ بِاللهِ» رواه أحمد و الترمذي.
7 -عَظُمَتْ عند الله هذه الإنابةُإِنَابَةُإبراهيم: «أَمَّا إِلَيْكَ فَلَا، وَأَمَّا إِلَى اللهِ فَحَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ» ؛ فَجَعَلَهَا بَرْدًا وَسَلامًا.
8 -الأنبياء يغضبون لله، ويغارون على محارم الله، ولكن بِحِكْمَةٍ. وذلك في اختيار الوقت المناسب لإنفاذ ما عنده؛ فالحكمةُ هي أن يكون عالمًا بما يأمر به، وحكيمًا فيما يأمربه، وعالمًا فيما ينهى عنه، وحكيمًا فيما ينهى عنه.
فيكون حكيمًا في اختيار الوقت والمكان والأسلوب الأنسب فيما يأمر وينهى.
9 -إبراهيم قال: «لا إِلَهَ إلاَّ اللهُ» بَيْنَ أُمَّةٍ كلُّها يَكْفُرُ بالله، فَعَادَوْهُ مِنْأَجْلِ هذه الكلمة، فعاداهم وأعلن البراءةَ منهم، وممَّا يعبدون من دون الله.