فهرس الكتاب

الصفحة 532 من 581

كما روى البخاريُّ عن ابن عبَّاسٍ قال: «حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ، قَالَهَا إِبْرَاهِيمُ حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَقَالَهَا مُحَمَّدٌ حِينَ قِيلَ لَهُ: {نَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ ... } الآية» .

{قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ} . قال عليُّ ابْنِ أبي طالبٍ: أي لا تَضُرِّيهِ.

فعن أبي هريرة أنَّه قال: «أَحْسَنُ كَلِمَةٍ قالها أَبُو إبراهيم إِذْ قَالَ لمَّا رأى ولدَه على تلك الحال: نِعْمَ الرَّبُّ رَبُّكَ يا إِبْرَاهِيمُ!»

كلُّ الدَّوابِّ كَانَتْ تنفخ - بأمر الله - النَّارَ عن إبراهيم إلاَّ الوزغ؛ فإنَّه كان ينفخ النَّارَ على إبراهيم، ولذلك أُمِرْنَا بِقَتْلِ الأوزاغ؛ إِحْيَاءً لذكرى أبينا إبراهيم - عليه السلام -، وإظهارًا للكراهية لهذا الحيوان؛ الدَّابَّةِ الَّتي كانت تنفخ النَّارَ على إبراهيم.

{وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ} ، وفي الآية الأخرى: {الأسفلين} .

سبحان الله! أرادوا أن ينتصروا فَخُذِلُوا، وأرادوا أن يرتفعوا فاتَّضعوا، وأرادوا أن يغلبوا فغُلِبُوا، ففازوا بالخسارة والسَّفال.

بعد رؤية هذه المعجزة العظيمة وهي خروجُ إبراهيم من النَّار، لم يؤمن به إلاَّ لُوطٌ.

يَقُولُ اللهُ: {فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي} . وقد وَصَفَ اللهُ إبراهيم بأنَّه أَوَّاهٌ حَلِيمٌ؛ لَمْ يَدْعُ عَلَى قَوْمِهِ بالهَلاكِ أو طَلَبِ عذابهم، {فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} .

لمَّا هجر قومه في الله، وهاجر من بين أظهرهم، وكانت امرأتُه عاقرًا لا يولد لها، ولم يكن له من الولد أحدٌ، بل معه ابنُ أخيه لوطُ بْنِ هَارَانَ بْنِ آَزَرَ، وَهَبَهُ اللهُ - تعالى - بعد ذلك الأولادَ الصَّالحين، وجعل في ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ والكتاب.

والأَرْضُ الَّتي قَصَدَهَا بالهجرة أَرْضُ الشَّام، وهي الَّتي قال اللهُ عزَّ وجلَّ: {وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ} .

-وَقْفَةٌ عَظِيمَةٌ: إِبْرَاهِيمُ خَرَجَ مِنْ وَطَنِهِ مِنْ أَجْلِ لا إله إلاَّ اللهُ، فترك الأهلَ والمالَ والقرابةَ، فلمَّا اعتزلهم وما يعبدون من دون الله، عوَّضه اللهُ أرضًا خيرًا من أرضه، عوَّضه الأرضَ المقدَّسةَ، وعوَّضه أهلًا خيرًا مِنْ أَهْلِهِ، وأعطاه الذُّرِّيَّةَ الطَّيِّبَةَ.

{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ} . فكلُّ كتابٍ أُنْزِلَ من السَّماء على نبيٍّ من الأنبياء بعد إبراهيم الخليل فمن ذُرِّيَّتِهِ وَشِيعَتِهِ.

-مواجهة عبدة الكواكب والنُّجوم:

حينما خرج من النَّار إِبْرَاهِيمُ، آَمَنَ به لوطٌ وزوجتُه سَارَّةُ، فعزم على أن يهاجر إلى بلاد الشَّام، ونزل أرض حرَّان، وبها عُبَّادُ الكواكب.

فقرَّر إبراهيمُ - عليه السَّلامُ - مواجهة عبدة النُّجوم من قومه، وهذا المقام مقامُ مُنَاظَرَةٍ لقومه، وبيانٍ لهم أنَّ هذه الأَجْرَامَ المشاهدةَ من الكواكب النَّيِّرَةِ، لا تَصْلُحُ للألوهيَّة، ولا أن تُعْبَدَ مع الله - عزَّ وجلَّ - لأنَّها مخلوقةٌ مربوبةٌ مصنوعةٌ مدبَّرةٌ مسخَّرةٌ، تَطْلُعُ تارةً وتَأْفِلُ أخرى، فتغيب عن هذا العالَم، والرَّبُّ - تعالى - لا يغيب عنه شيءٌ، ولا تَخْفَى عليه خَافِيَةٌ، بل هو الدَّائمُ الباقي بلا زوالٍ، لا إِلَهَ إلاَّ هو، ولا رَبَّ سِوَاهُ.

فبيَّن لهم أوَّلًا عَدَمَ صلاحية الكوكب وَعَدَمَ صَلاحِيَةِ القمر وَعَدَمَ صَلاحِيَةِ الشَّمس؛ لأنَّها تَغِيبُ تَارَةً وَتَطْلُعُ تَارَةً، والرَّبُّ لا يَغِيبُ عنه شَيْءٌ.

فقال إبراهيمُ - عليه السلام - عندما أَفَلَ القَمَرُ: {لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ} .

نُلاحِظُ هنا أنَّه عندما يحدِّث قومه عن رفضه لألوهيَّة القمر، فإنَّه يمزِّق العقيدة القمريَّة بهدوءٍ ولُطْفٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت