فلمَّا قال لهم ذلك، رجعوا إلى أنفسهم، وعرفوا أنَّها لا تنطق؛ {فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ} .
أَيْ: فعادوا على أنفسهم بالمَلامَةِ، فقالوا: {إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ} ثمَّ قالوا: لقد علمتَ أنَّ هؤلاء لا ينطقون.
قال: {قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ} . لا دَفْعَ ولا نَفْعَ.
{قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ} أي: كيف تعبدون أصنامًا أنتم تنحتونها من الخشب والحجارة وتصوِّرونها وتشكِّلونها كما تريدون؛ {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} .
فأقبلوا إليه يَزِفُّونَ، قال مجاهدٌ: مُسْرِعِينَ غَاضِبِينَ. وهدَّدوه بالإحراق.
فلمَّا أَقَامَ عليهم الحُجَّةَ وأفحمهم، وسلَّموا له أنَّها لا تسمع داعيًا، ولا تنفع ولا تضرُّ شيئًا، وإنَّما الحاملُ لهم على عبادتها الاقتداءُ بأسلافهم، وَمَنْ هو مِثْلُهُمْ في الضَّلال من الآباء الجُهَّالِ، بعد ذلك بيَّن لهم من هو الله تعالى؛ {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِين} وهو الَّذي يُمْرِضُ، وَيَشْفِي، ويُطْعِمُ، وَيَسْقِي، وَيُحْيي، ويُمِيتُ.
وهو - سبحانه - وَحْدَهُ المتفرِّد بنعمة الخَلْقِ، ونعمة الهداية للمصالح الدِّينيَّة والدُّنْيَوِيَّةِ.
وهذه الأصنام الَّتي لا تخلق، ولا تهتدي، ولا تمرض، ولا تشفي، ولا تطعم، ولا تسقي، ولا تميت، ولا تحيي، ولا تنفع عابديها، بكشف الكروب، ولا مغفرة الذُّنوب.
فَعَدَلُوا عن الجدال والمناظرة لمَّا انقطعوا وَغُلِبُوا، ولم تَبْقَ لهم حُجَّةٌ ولا شُبْهَةٌ، إلى استعمال قوَّتهم وسلطانهم؛ لينصروا ما هم عليه من الضَّلال وعبادة الأوثان، فكادهم الرَّبُّ - جلَّ جلاله - وأعلى كلمتَه ودينَه وبرهانَه.
كما قال تعالى: {قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ أن كُنْتُمْ فَاعِلِينَ، قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (69) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ} .
{قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ أن كُنْتُمْ فَاعِلِينَ} أَيِ: اقْتُلُوهُ أَشْنَعَ القِتْلاتِ، بالإحراق، غضبًا لآلهتكم، ونصرةً لها.
وفعلًا .. بدأ الاستعدادُ لإحراق إبراهيم. بَنُوا له بُنْيَانًا كالحظيرة، وجعلوه في هذا البُنْيَانِ، وجمعوا له صِلابَ الحَطَبِ من أصناف الخشب، حتَّى قيل: إنَّ الرَّجُلَ منهم كان إذا مَرِضَ يقول: لَئِنْ عوفيتُ لأجمعنَّ حطبًا لإبراهيم.
وكانت المرأةُ تَنْذِرُ إن أصابت ما تريد، وحصل لها ما تبتغي لتحتطبنَّ في نار إبراهيم، وقيل: إنَّ المرأةَ منهم كانت تغزل وتشتري الحطب بغزلها، فتلقيه في البنيان إعدادًا لحرق إبراهيم، تحتسب الدِّفاعَ عن الأصنام والانتصار لها.
وجمعوا الحطب - فيما قيل - شهرًا، ولمَّا جمعوا ما أرادوا أشعلوا في كلِّ ناحيةٍ من الحطب النَّارَ، واشتدَّت النار، وَعَلَتْ في السَّماء، حتَّى إنَّ الطَّيْرَ لَيَمُرُّ بها فيحترق من شِدَّةِ وَهَجِهَا.
فأوقدوا عليها سَبْعَةَ أيَّامٍ، حتَّى إذا اشتدَّت، لم يعلموا كيف يُلْقُونَ إبراهيم فيها، فأتاهم إبليسُ بفكرة المِنْجَنِيقِ على ما ذَكَرَ بَعْضُ أهل التَّفسير، فوضعوه مقيَّدًا مغلولًا، وأطلقوه بالمِنْجَنِيقِ مِن بُعْدٍ على هذه النَّار؛ لأنَّهم لا يستطيعون الاقترابَ منها من شدَّتها.
ثمَّ أخذوا يقيِّدونه ويكتِّفونه وهو يقول: لا إِلَهَ إِلاَّ أنتَ سبحانَك رَبَّ العالمين، لك الحمدُ ولك الملكُ، لا شريكَ لك.
فلمَّا وُضِعَ الخَلِيلُ - عليه السَّلامُ - في كِفَّةِ المنجنيق مقيَّدًا مكتوفًا، ثمَّ أَلْقَوْهُ منه إلى النَّار، قال: حسبُنا اللهُ وَنِعْمَ الوكيلُ.