فهرس الكتاب

الصفحة 538 من 581

لمَّا خَرَجَ نَبِيُّ الله إبراهيم - عليه السلام - وزوجتُه سارَّةُ ومعهم هاجر، خرجوا إلى بلاد فِلَسْطِينَ وَعَاشُوا هناك عِشْرِينَ سَنَةً، سأل إِبْرَاهِيمُ - عليه السلام - ربَّه أن يَهَبَ له ولدًا صالحًا، فبشَّره الله- تعالى - بغلامٍ حليمٍ وهو إسماعيلُ- عليه السَّلامُ - لأنَّه أَوَّلُ مَنْ وُلِدَ له على رأس سِتٍّ وثمانين سنةً مِنْ عُمْرِ الخليل عليه السَّلام.

ورد أنَّه لما بُشِّرَإبراهيمُ - عليه السَّلام - خَرَّ لله ساجدًا، وقيل: «قَدِ اسْتَجَبْتُ لَكَ فِي إِسْمَاعِيلَ، وَبَارَكْتُ عَلَيْهِ وَكَبَّرْتُهُ وَنَمَّيْتُهُ جِدًّا كَثِيرًا، وَيُولَدُ لَهُ اثْنَا عَشَرَ عَظِيمًا، وَأَجْعَلُهُ رَئِيسًا لِشَعْبٍ عَظِيمٍ» .

أيضًا بشارة بهذه الأمَّة العظيمة، وهؤلاء الاثنا عشر عظيمًا هم الخلفاءُ الرَّاشدون الاثنا عشر المبشَّر بهم في حديث عبد الملك بن عمير عن جابر بن سمرة عن النَّبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: «يَكُونُ اثْنَا عَشَرَ أَمِيرًا» .

ثمَّ قَالَ كلمةً لم أفهمها، فسألتُ أبي ما قال؟ قال: «كلُّهم من قُرَيْشٍ» . أخرجاه في «الصَّحيحين» .

وفي روايةٍ: «لَا يَزَالُ هَذَا الأَمْرُ قَائِمًا» . وَفِي رِوَايَةٍ: «عَزِيزًا، حَتَّى يَكُونَ اثْنَا عَشَرَ خَلِيفَةً كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ» .

-الشَّاهدُ: قَالَتْ سَارَّةُ لإبراهيمَ عليه السَّلامُ: «إنَّ الرَّبَّ قد حَرَمَنِي الوَلَدَ، فَادْخُلْ على أَمَتِي هذه، لعلَّ اللهَ يرزقني منها وَلَدًا» .

فَوَهَبَتْهَا سَارَّةُ لزوجها إبراهيم لمَّا يَئِسَتْ من الولد، فأصبحت مِلْكَ يَمِينِهِ، فلمَّا وَلَدَتْ منه إسماعيلَ، غَارَتْ سَارَّةُ منها، فَأَمَرَ اللهُ إبراهيمَ أن يذهب بإسماعيلَ وَأُمِّهِ إلى البيت الحرام.

-ثلاثُ مَشَاهِدَ من حياة إسماعيل - عليه السَّلامُ - وأمِّه:

ذَكَرَ اللهُ في كتابه الكريم ثَلاثَ مَشَاهِدَ من حياة إسماعيل - عليه السَّلامُ - وأمِّه، كلُّ مشهدٍ عبارةٌ عن مِحْنَةٍ واختبارٍ لِكُلٍّ مِنْ إبراهيمَ وإسماعيلَ عليهما السَّلامُ.

-الاختبار الاول:

1 -أَمَرَ اللهُ - سبحانه وتعالى - إبراهيمَ - عليه السلام - بِتَرْكِ إسماعيل وأمِّه في وَادٍ مُقْفِرٍ، لا مَاءَ فيه ولا طَعَامَ، فما كان من إبراهيم - عليه السَّلامُ - إلاَّ الاستجابةُ لهذا الأمر الرَّبَّانيِّ.

فجاء إبراهيم - عليه السلام - بهاجر وبابنها إسماعيل وهي تُرْضِعُهُ حتَّى وضعهما عند البيت، عند دَوْحَةٍ فَوْقَ زَمْزَمَ في أعلى المسجد، وليس بمكَّة يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ، وليس بها مَاءٌ.

فوضعهما هنالك، وَوَضَعَ عندهما جرابًا فيه تَمْرٌ، وَسِقَاءً فيه ماءٌ.

قَفَّى إبراهيمُ مُنْطَلِقًا، فَتَبِعَتْهُ أمُّ إسماعيل فقالت: يا إبراهيمُ أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الَّذي ليس به أَنِيسٌ ولا شَيْءٌ؟

فقالت له ذلك مرارًا، وجعل لا يلتفت إليها، فقالت له: آللهُ أَمَرَكَ بهذا؟ قال: نَعَمْ، قالت: إذًا لا يضيِّعنا، ثمَّ رَجَعَتْ.

فانْطَلَقَ إِبْرَاهِيمُ - عليه السلام - حتَّى إذا كان عند الثَّنِيَّةِ حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت، ثمَّ دعا بهؤلاء الدَّعوات، ورفع يديه فقال: {رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} .

وجعلت أمُّ إسماعيل تُرْضِعُ إسماعيل وَتَشْرَبُ من ذلك الماء حتَّى إذا نَفِذَ ما في السِّقَاءِ، عَطِشَتْ وَعَطِشَ ابنُها، وجعلت تنظر إليه يتلوَّى، أو قال: يتلبَّط، فانطلقت كراهيةَ أن تنظر إليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت