فهرس الكتاب

الصفحة 329 من 581

وسُمِّيَتْ بالمزَّمِّل لافتتاحها به، والمُتَزَمِّلُ هو المتغطِّي.

هذه السُّورةُ العظيمةُ الجليلةُ تتحدَّث عن عِدَّةِأُمُورٍ:

ابْتَدَأَتِ السُّورَةُ الكريمةُ بِنِدَاءِ الرَّسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - بهذا النِّداء؛ حثًّا له على قيام اللَّيل؛ لأنَّه كان في حقِّهِ وَاجِبًا، ثمَّ ذَكَرَ ثِقَلَ الوَحْيِ الَّذي كلَّف اللهُ به رسولَه - صلى الله عليه وسلم -؛ ليقوم بتبليغه للنَّاس بجدٍّ ونشاطٍ، ويستعين على ذلك بقيام اللَّيل.

ثمَّأَمَرَ اللهُ رَسُولَهُبالصَّبْرِ على أَذَى المشركين، وَهَجْرِهِمْ هجرًا جميلًا إلى أن يَنْتَقِمَ اللهُ منهم، ثمَّ توعَّد اللهُ المشركين بالعذاب والنَّكَالِ يَوْمَ القيامة.

ثمَّأَخْبَرَ - سبحانه -أنَّه أَرْسَلَ رَسُولَهُ مُحَمَّدًا- صلَّى الله عليه وسلَّم - كما أَرْسَلَ موسى - عليه السلام - إلى فِرْعَوْنَ، فَعَصَى فِرْعَوْنُ رَسُولَهُ، فَأَخَذَهُ اللهُ، وهكذا مَنْ عَصَى رَسُولَهُ مُحَمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّم.

وَخُتِمَتِ السُّورَةُ الكريمةُ بتخفيف الله عن رسوله وعن المؤمنين من قيام اللَّيل، رَحْمَةً به وبهم.

قوله: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ} : التَّزَمُّلُ هو التَّغَطِّي؛ لأنَّ مِنْ عَادَةِ النَّاس عند النَّوم إذا ناموا أن يَتَغَطُّوا بِلِحَافٍ.

وتناسب اسمُ السُّورة مع قيام اللَّيل؛ لأنَّ التَّزمُّلَ مَأْخُوذٌ من الخَفَاءِ، وكذلك قِيَامُ اللَّيْلِ عِبَادَةٌ خَفِيَّةٌ وخاصَّةٌ.

وهذا خِطَابٌ من الله لرسوله - صلى الله عليه وسلم - {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ} ؛ أَيِ: المتغطِّي بثيابه.

مَنْ هو المُزَّمِّلُ؟ هو رَسُولُ الله مُحَمَّدٌ- صلَّى الله عليه وسلَّم - وقد لُقِّبَ بالمُزَّمِّلِ؛ لأنَّه يَوْمَ ابْتَدَأَهُ الوَحْيُ في غار حراءٍ، وَجَلَسَ بين يديه جبريل - عليه السَّلام - عاد تَرْتَعِدُ فَرَائِصُهُ، وهو يقول لخديجة زوجته: «زَمِّلُونِي دَثِّرُونِي، زَمِّلُونِي دَثِّرُونِي» متفق عليه.

أي: غطُّوني بغطاءٍ؛ حتَّى يَخْفَى عنِّي الخَوْفُ والبَرْدُ، فناداه ربُّه بهذا النِّدَاءِ: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ} .

وخاطبه اللهُ بهذا الوَصْفِ لأَمْرَيْنِ:

-أوَّلًا: المُلاطَفَةُ؛ لأنَّه عندما نَزَلَ عليه الوَحْيُ رَجَعَ إلى زَوْجِهِ خَدِيجَةَ - رضي اللهُ عنها - وقال: «زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي» متفق عليه.

فاشتقَّ اللهُ من حالته وَصْفًا لقَّبه به، وَأَطْلَقَهُ عليه، على عادة العرب إذا أرادت أن تكرِّم إنسانًا، فَتُخْبِرَ عنه بالوصف الَّذي هو عليه، أو مُشْتَقٌّ من حالته.

-والأمر الثَّاني: لِيَشْمَلَ هذا الخِطَابُ كلَّ مَنْ يتَّصف بهذه الحالة.

قوله: {قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا} :قُمْ لِصَلاةِ التَّهجُّدِ، فَأَمَرَهُ بالقِيَامِ؛ لأنَّه كان واجبًا عليه قِيَامُ اللَّيل.

والسَّببُ في ذلكأنَّ اللهَ - جلَّ وعلا - افْتَرَضَ قِيَامَ اللَّيل في مكَّة قَبْلَ أن تَنْزِلَ الفَرَائِضُ، وَقَبْلَ أن تُشْرَعَ الحدودُ، بل قَبْلَ أن تُفْرَضَ الصَّلواتُ المفروضةُ الصَّلواتُ الخَمْسُ.

وهذا لأَمْرٍ عَظِيمٍ؛ لأنَّ الإنسانَ إذا قَامَ اللَّيْلُ طَهُرَ قَلْبُهُ.

فَأَمَرَ اللهُ رَسُولَهُ - صلى الله عليه وسلم - بِقِيَامِ اللَّيل؛ حتَّى يَقْرِنَ دَعْوَتَهُ بالعبادة، وَيَقْرِنَقَوْلَهُ بالعمل.

والسَّبَبُأنَّ قِيَامَ اللَّيْلِ سَبَبٌ في سداد القَوْلِ، وَصَلاحِ القلب والعمل، فكيف يكون هاديًا مَهْدِيًّا وهو لا يَقُومُ اللَّيْلَ، ولا يَصُومُ النَّهَارَ، ولا يتلو كِتَابَ الله؟

وكيف يكون هاديًا مهديًّا وهو ساهٍ وغافلٌ؟

لن يكون له أَثَرٌ في النُّفوس إلاَّ إذا كان له عِلاقَةٌ قَوِيَّةٌ مع الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت