ففي الحديث عند أحمد والتِّرمذيِّ: «عَلَيْكُمْ بِقِيَامِ اللَّيْلِ؛ فَإِنَّهُ دَأَبُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ، وَقُرْبَةٌ إِلَى اللهِ- تَعَالَى - وَمَنْهَاةٌ عَنِ الإِثْمِ، وَتَكْفِيرٌ لِلسَّيِّئَاتِ، وَمَطْرَدَةٌ لِلدَّاءِ عَنِ الجَسَدِ» . وقد صحَّحه الألبانيُّ في «صَحِيحِ الجامع» .
قوله: {نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا* أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا} : هُنَا بَيَّنَ المِقْدَارَ، وَخَيَّرَهُ بَيْنَ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ أَوْ نِصْفِهِ أَوْ ثُلُثِهِ، ولم يُحَتِّمْ عليه مقدارًا معيَّنًا.
فَخَيَّرَهُ بَيْنَ ثَلَاثَةِأَشْيَاءَ؛ أَيِ: انْقُصْ مِنَ النِّصْفِ شَيْئًا يَسِيرًا، أو حتَّى يصبح ثلثًا، أو زِدْ عَلَيْهِ حتَّى يصبح ثُلُثَيْنِ.
فَانْقُصْ من النِّصف حتَّى يصير ثلثًا، أو زِدْ على النِّصْفِ حتَّى يُصْبِحَ ثُلُثَيْنِ.
وهكذا كان الحَبِيبُ- صلَّى الله عليه وسلَّم - يقوم؛ فَقَدْ كان أحيانًا يقوم نِصْفَ اللَّيْلِ، وأحيانًا ثُلُثَيِ اللَّيْلِ، وأحيانًا ثُلُثَ اللَّيْلِ، وقد كان يَقُومُ هذه الأَوْقَاتِ للتَّهجُّد، ولتلاوة كتاب الله، وَذِكْرِ الله.
وتكون التِّلاوةُ مُتَوَسِّطَةً؛ فيتَّفق السَّمْعُ والقلبُ معًا، فَيَحْصُلُ القارئُ على الهُدَى؛ لأنَّ التَّرْتِيلَ وَسِيلَةٌ للتَّدَبُّرِ وللخشوع. وهذا مِنْ آَدَابِ تلاوة القرآن.
قوله: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا} :
{قولًا} هو القرآنُ؛ أَيْ: سَنُنْزِلُ عليك قولًا ثَقِيلًا في معناه؛ فمعانيه غَزِيرَةٌ، وَثَقِيلًا في العمل به، وَثَقِيلًا في قَدْرِهِ وَمَنْزِلَتِهِ، وهو من ناحية ألفاظه مُيَسَّرٌ في تلاوته، وَمُيَسَّرٌ في حِفْظِهِ، ومن ناحية العمل به ثَقِيلٌ على النُّفوس؛ لما فيه من الأوامر والنَّواهي.
فَبَيَّنَ اللهُ لِنَبِيِّهِ - صلى الله عليه وسلم - كيف يُقَابِلُ القَوْلَ الثَّقِيلَ بقيام اللَّيل؛ ففي هذه السُّورَةِ بَيَّنَ اللهُ ثِقَلَ الوَحْيِ الَّذي كَلَّفَ به نبيَّنا - صلى الله عليه وسلم -، ويقوم بتبليغه للنَّاس بِجِدٍّ وَنَشَاطٍ، وَيَسْتَعِينُ على ذلك بقيام اللَّيل.
قوله: {إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا} : اخْتُلِفَ في تفسير النَّاشِئَةِ؛ مِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ زَمَانًا، فقال: هي ساعاتُه.
وقيل: إنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ فِعْلٌ، فَقَالَ: «هي العبادةُ الَّتي تَحْدُثُ باللَّيْلِ» .
وقيل: «النَّاشِئَةُإذًا تَقْدِمَةُ نَوْمٍ» .
والمقصودُأنَّ اللَّيْلَ كُلَّهُ نَاشِئَةٌ؛ أَيْ: طَاعَةٌ نَاشِئَةٌ فيه، ولكنَّ أَفْضَلَهُ النَّاشِئَةُ القِيَامُ بَعْدَ نَوْمٍ، فينام أوَّلَ اللَّيل، ويُرِيحُ نَفْسَهُ، ثمَّ يقوم.
ولذلك كان نبيُّنا - صلى الله عليه وسلم - يبادر بالنَّوم بعد العشاء، وَيَكْرَهُ الحَدِيثَ بَعْدَهُ لأَجْلِ قِيَامِ اللَّيل.
قوله: {أَشَدُّ وَطْئًا} : أَيْ أَشَدَّ مُوَافَقَةً بَيْنَ القَلْبِ واللِّسَانِ. وهذا أَحْسَنُ ما يكون في العبادة، فيتدبَّرَ القرآنَ أَكْثَرَ، وَيَنْشَطَ على قراءة القرآن.
والمعنى أنَّهَا أَحْسَنُ تِلاوَتِهِ، وتلذُّذًا بالقرآن باللَّيل؛ فهو أَحْسَنُ وَطْأً.
وهذا يجعل الإنسانَ يُقْبِلَ على العبادةوهو مُتَفَرِّغٌ.
صلاةُ اللَّيْلِ أَفْضَلُ من صلاة النَّهار؛ لتَوَاطُؤِ السَّمْعِ والقلب فيها على فَهْمِ القرآن، بينما النَّاسُ تغيَّروا.
النَّاسُ يعملون باللَّيل أكثرَ من النَّهار، فَغَيَّرُوا الوَضْعَ.
قوله: {وَأَقْوَمُ قِيلًا} :أَصْوَبُ قِرَاءَةً، وَأَحْفَظُ قِرَاءَةً، وَأَحْسَنُ قِرَاءَةً.
قال مُجَاهِدٌ: «أَحْسَنُ النَّاسِ قِرَاءَةً أَعْقَلُهُمْ عَنْهُ» .
قوله: {إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا} : سَبْحًا أَيْ: تَقَلُّبًا وَتَصَرُّفًا.
والمَعْنَى: لَدَيْكَ وَقْتٌ كَافٍ لِقَضَاءِ حاجاتك ومصالحك؛ فيخصَّ اللَّيْلَ بالقيام والعبادة، والنَّهارَ بالمعاش، فَتَنْتَظِمَ أُمُورِ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ.
قوله: {وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا} :قد كان الذِّكْرُ لا يفارق لِسَانَهُ صلَّى الله عليه وسلَّم.