قصَّة قوم ثمودٍ: أَرْسَلَ اللهُإِلَيْهِمْ نَبِيَّهُ صَالِحًا - عليه السلام -، وكانوا يسكنون الحجر شمال المدينة بمنطقةٍ يقال لها العلاء، وَتُعْرَفُ اليَوْمَ بِمَدَائِنِ صَالِحٍ.
دعاهم {أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ} وَتَرْكِ عبادة الأصنام، فآمنت به طائفةٌ، وَكَفَرَ بِهِ جُمْهُورُهُمْ.
ذَكَّرَهُمْ بِنِعَمِ الله عليهم فقال: {هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} ، {تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا} ، أي: تَبْنُونَ قُصُورًا في الأماكن السَّهلة، فتسكنون بها في الصَّيف، وتنحتون الجبالَ بُيُوتًا فتسكنون بها في الشِّتَاءِ.
{إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ عَادٍ} ، {فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ} وَنِعَمَهُ عليكم {وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} .
{أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍوَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ} .
النَّاسُ- حاليًا - لا يَبْنُونَ بُيُوتًا من أجل أن تأويهم، إنَّما بُيُوتٌ فيها مفاخَراتٌ ومباهاةٌ كما صَنَعَ قَوْمُ صَالِحٍ.
فقالوا: {إِنَّمَا أَنتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ} . أي: المسحورين، أرناآيَةً ومعجزةً على صِدْقِ كَلَامِكَ.
وَيُذْكَرُأنَّهم طلبوا منه أن يُخْرِجَ لهم نَاقَةً من صَخْرَةٍ بَارِزَةٍ في الحجر.
وذكروا للنَّاقةأوصافًا وتعنَّتوا فيها، فقال: «أَرَءَيْتُمْإِنْ دَعَوْتُ اللهَ أَنْ يُخْرِجَ لكم ناقةً، هل تؤمنون؟» قالوا: نعم، فَأَخَذَ عُهُودَهُمْ.
واشْتَرَطَ عليهم أَنْ يَذَرُوهَا في أرض الله تأكلولايمسُّوها بسوءٍ، ولها شِرْبُ يَوْمٍ ولهم شِرْبُ يَوْمٍ، وهذه النَّاقةُإذا شَرِبَتِ الماءَ يتحوَّل هذا الماءُ إلى لَبَنٍ، وَيَكْفِي قبيلةَ ثَمُودٍ كلَّها.
وَوَصَفَ اللهُ هَذِهِ النَّاقَةَ بأنَّهَا بَيِّنَةٌ، وآيةٌ، وَنَاقَةُ الله، وكان التَّركيزُ في قصَّة صَالِحٍ - عليه السَّلامُ - وَقَوْمِهِ على النَّاقة، فوافقوا، فقام، فصلَّى، ثمَّ دَعَا رَبَّهُ، فَانْشَقَّتِ الصَّخْرَةُ عن نَاقَةٍ عَظِيمَةٍ عَشْرَاءَ على الوجه المطلوب، وقد رأوا أَمْرًا عَظِيمًا، وَمَنْظَرًا هائلًا، فانقسموا فَرِيقَيْنِ؛ مِنْهُمْ مَنْآَمَنَ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ.
ثمَّ بَدَا لهم مِنْ بَعْدِ مَا رأوا الآيات أن جحدوا بها وَعَتَوْا عن أمر ربِّهم، فقال الَّذين استكبروا: «يا صالحُ ما اتَّبعك إلاَّ الضُّعَفَاءُ» . كما قال الله تعالى: {قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنتُم بِهِ كَافِرُونَ} .
مَكَثُوا زَمَنًا طَوِيلًا النَّاقَةُ بَيْنَأَظْهُرِهِمْ تَرْعَى من أرض الله وَتَرِدُ الماءَ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ، وإذا وَرَدَتِ البِئْرَ تَشْرَبُ مَاءَ البِئْرِ، وَيَشْرَبُونَ مِنْ لَبَنِهَا، لكنَّ شياطين الإنس أَعْدَاءَ الرُّسُلِتَمَالؤوا على قَتْلِهَا، وتحوَّلت العداوةُ مِنْ صَالِحٍ إلى النَّاقة؛ لأنَّ هَلاكَهُمْ مُتَوَقِّفٌ على قَتْلِهَا، وزيَّن لهم الشَّيْطَانُ قَتْلَهَا.
ونبيُّنا محمَّدٌ - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: {ما تركت فتنة اضر على الرجال من النساء} .رواه البخاري ومسلم، وقد كان هلاكُ قَوْمِ صَالِحٍ عن طريق امرأةٍ كانت شديدةَ العداوة لصالح - عليه السلام -، ولها بناتٌ جميلاتٌ فقالت لعاقر النَّاقة: «إِنْ قَتَلْتَهَا زَوَّجْتُكَ مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ» .
فاتَّفق مع تِسْعَةِ رَهْطٍ على قَتْلِهَا، لكنَّه قَبْلَ قَتْلِهَا اسْتَشَارَ القَبِيلَةَ كلَّها صِغَارًا، وَكِبَارًا، ذُكُورًا، وَإِنَاثًا، فوافقوا على قَتْلِهَا، واتَّفَقَ رَأْيُهُمْ على عَقْرِهَا؛ ليستريحوا منها، ويتوفَّر عليهم مَاءُ البِئْرِ.
وعندها قام أُحَيْمِرُ ثَمُودَ الَّذي قال عنه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم: «أَشْقَى الأَوَّلِينَ وَالآَخِرِينَ» رواه الهيثمي في الزوائد و ابن عساكر في التاريخ. وَاسْمُهُ قُدَّارُ بْنِ سَالِفٍ، وكان قدَّارٌ عزيزًا منيعًا في قومه.
فانطلق قُدَّارُ بْنِ سالفٍ، ومصدعُ بْنِ مهرجٍ، فاستنفرَا غُواةً من ثمودَ، فاتَّبعهما سَبْعَةُ نَفَرٍ، فكانوا تِسْعَةَ نَفَرٍ.