فهرس الكتاب

الصفحة 518 من 581

ولهذا وَدَّ أن لو كان له بهم قُوَّةٌ، أو له مَنَعَةٌ وَعَشِيرَةٌ ينصرونه عليهم؛ لِيَحِلَّ بهم ما يستحقُّونه من العذاب على هذا الخطاب.

عن أبي هريرة أنَّ رَسُولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: «رَحْمَةُ اللهِ عَلَى لُوطٍ، إِنْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ - يَعْنِي اللهَ عزَّ وجلَّ - فَمَا بَعَثَ اللهُ بَعْدَهُ نَبِيٌّ إِلاَّ فِي ثَرْوَةٍ مِنْ قَوْمِهِ» رواه مسلم و أحمد و الترمذي.

وَغَلَبَهُ قَوْمُهُ وَهَمُّوا بكسر الباب. عِنْدَئِذٍ كَشَفَ الضُّيُوفُ عن حقيقتهم، وأخبروا لوطًا بأنَّهم ليسوا بَشَرًا، وإنَّما هم مَلائِكَةٌ من السَّمَاءِ جَاءُوا لتعذيب هؤلاء القوم الفاسقين.

قالت الملائكة: {إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوا إِلَيْكَ} . وذكروا أنَّ جِبْرِيلَ - عليه السَّلامُ - خَرَجَ عليهم، فضرب وجوهَهم خَفْقَةً بطرف جناحه، فطُمِسَتْ أعينُهم، حتَّى قيل: إنَّها غارت بالكلِّيَّة، ولم يَبْقَ لها مَحَلٌّ ولا عَيْنٌ، ولا أَثَرٌ، فرجعوا يتحسَّسون مع الحيطان، ويتوعَّدون رسولَ الرَّحمن، ويقولون: إذا كان الغَدُ كَانَ لَنَا وَلَهُ شَأْنٌ.

{ولقد رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ} .

فطهَّره اللهُ وأهلَه إلاَّ امرأتَه، وأخرجهم منها أحسنَ إخراجٍ، فخرج لوطٌ - عليه السَّلام - بِأَهْلِهِ، وهم ابنتاه، لم يَتَّبِعْهُ منهم رَجُلٌ وَاحِدٌ.

ثم تقدَّمت المَلائِكَةُ إلى لوطٍ - عليه السَّلامُ - آَمِرِينَ له بأن يَسِيرَ هو وأهلُه من آخر اللَّيل، ولا يلتفت منهم أَحَدٌ؛ يعني عند سماع صوت العذاب إذا حَلَّ بقومه، وَأَمَرُوهُ أن يكون سَيْرُهُ في آخرهم كالسَّاقة لهم.

وقوله تعالى: {إِلَّا امْرَأَتَكَ} على قراءة النَّصب، يحتمل أن يكون مستثنًى من قوله: {فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ} ، كأنَّه يقول: إلاَّ امرأتك فلا تَسِرْ بها.

ويحتمل أن يكون من قوله تعالى: {وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ} ؛ أي: فإنَّها ستلتفت فيصيبَها ما أصابهم.

ويقوِّي هذا الاحتمال قِرَاءَةُ الرَّفْعِ، ولكن الأوَّلُ أَظْهَرُ في المعنى، واللهُ أَعْلَمُ.

والصَّحِيحُ أنَّ زَوْجَةَ لُوطٍ لم تخرج؛ {فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} .

وطلعت الشَّمْسُ فكان عند شروقها أن جاءهم من أمر الله ما لا يُرَدُّ، ومن البأس الشَّديد ما لا يمكن أن يُصَدَّ.

فعذَّب اللهُ قَوْمَ لُوطٍ بأنواعٍ من العذاب لم يعذِّب بها أُمَّةً غيرها، فأرسل عليهم الصَّيْحَةَ، فجمع لهم بين الهلاك، والرَّجْمِ بالحجارة من السَّماء، وَطَمْسِ الأبصار، وَقَلَبَ عليهم الدِّيَارَ، فَجَعَلَ عاليَها سافلَها، وَخَسَفَ بهم إلى أسفل سافلين.

كما قال تعالى: {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنذَرِينَ} . وقال تعالى: {الْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى (53) فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى} يعني: قَلَبَهَا فَأَهْوَى بها مُنَكَّسَةً عاليها سافلُها، وغشَّاها بِمَطَرٍ من حجارةٍ مِنْ سِجِّيلٍ، متتابعةٍ مسوَّمةٍ مَرْقُومَةٍ، على كلِّ حَجَرٍ اسْمُ صاحبه الَّذي سقط عليه.

وتركهم في محلَّتهم خالدين، لَكِنْ بَعْدَمَا صَيَّرَهَا عليهم بحيرة مُنْتِنَةً، ذات أمواج، لكنَّها عليهم في الحقيقة نَارٌ تَأَجَّجُ، وَحَرٌّ يتوهَّج، وماؤُها مِلْحٌ أُجَاجٌ.

-الفوائد والعِبَرُ والعظات:

(1) - جعل اللهُ مكانَ تلك البلاد بحيرةً مُنْتِنَةً، لا يُنْتَفَعُ بمائها، ولا بما حولها من الأراضي، فصارت عِبْرَةً ومثلةً وعظةً وآيةً على قدرة الله - تعالى - وعظمته وعزَّته في انتقامه ممَّن خالف أمرَه وكذَّب رسلَه واتَّبع هواه وعصى مولاه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت