فهرس الكتاب

الصفحة 555 من 581

لَمَّا ذَكَرَ - تَعَالَى - أنَّه أَنْعَمَ على أُمِّهِ بِرَدِّهِ لها، وإحسانِهِ بذلك، وامتنانه عليها، شَرَعَ في ذِكْرِ أَنَّهُ لمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ واستوى، وهو احتكامُ الخَلْقِ والخُلُقِ - وهو سنُّ الأربعين - في قول الأكثرين، آتاه اللهُ حُكْمًا وَعِلْمًا، وهو النُّبُوَّةُ والرِّسَالَةُ الَّتي كان بَشَّرَ بِهَا أُمَّهُ حِينَ قَالَ: {إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} .

من بلاغة القرآن أنَّه يَحْكِي القصَّة في آياتٍ قَلِيلَةٍ لتفكِّرَ فتفهمَ منها أمورًا عديدةً.

-الفوائدُ والعِبَرُ والعِظَاتُ من المرحلة الأولى:

1 -أنَّ اللهَ غَالِبٌ على أَمْرِهِ، وأنَّه لا يَنْفَعُ حَذَرٌ من قَدَرٍ.

2 -القلوبُ بيد الرَّحمن، فمن شاء اللهُ جعل له القبولَ في الأرض، ومن شاء ألقى بُغْضَهُ في قلوب الخَلْقِ؛ {أَلْقَيْتُعَلَيْكَمَحَبَّةًمِّنِّيوَلِتُصْنَعَعَلَاعَيْنِي} .

3 -ادَّعى فرعونُ أنَّه إِلَهٌ، وأنَّه هو الخَالِقُ، فَجَعَلَ اللهُ - عزَّ وجلَّ - سَبَبَ هلاكه ينشأ ويأكل ويشرب في بيته! فلو كان فرعونُ خَالِقًا ومستحقًّا للعبادة كيف يَجْهَلُ هذا؟

4 -لكي نَشْكُرَ اللهَ حَقَّ شُكْرِهِ لابُدَّ أن نُوَحِّدَهُ وَنَعْبُدَهُ؛ فأوَّلُ وَاجِبٍ على العبيد مَعْرِفَةُ الرَّحمن بالتَّوحيد، فكيف يخلقنا ونعبد غيرَه؟ وكيف يرزقنا ونشكر غَيْرَه؟ الَّذي خَلَقَهُمْ وَرَزَقَهُمْ وَلَهُ المُلْكُ هو المستحقُّ للعبادة، اللهُ عزَّ وجلَّ.

5 -الأمَّةُ المُسْتَضْعَفَةُ الَّتي لا تُطَالِبُ بِحَقِّهَا تَضِيعُ. لذلك أَرْسَلَ اللهُ موسى - عليه السلام - {أَنْأَرْسِلْمَعَنَابَنِيإِسْرَائِيلَ} .

وكما قيل: «لا يضيع حَقٌّ وَرَاءَهُ مُطَالِبٌ» . ثمَّ شَرَعَ في ذكر سَبَبِ خروجه من بلاد مصر، وَذَهَابِهِ إلى أرض مَدْيَنَ، وإقامته هنالك، حتَّى كَمُلَ الأَجَلُ، وانقضى الأَمَدُ، قضيَّةَ قتله ذلك القبطيَّ الَّذي كان سَبَبَ خروجه من الدِّيار المصريَّة إلى بلاد مَدْيَنَ.

-المرحلة الثانية: نشأة موسى - عليه السَّلامُ - في مصر:

قوله: {وَدَخَلَالْمَدِينَةَعَلَاحِينِغَفْلَةٍمِّنْأَهْلِهَا} دَخَلَ سيِّدُنَا موسى المدينةَ - أي: المكانَ الَّذي يعيش فيه بنو إسرائيل-قيل: ذلك نِصْفَ النَّهار، في وَقْتِ قَيْلُولَةٍ.

وعن ابن عبَّاسٍ: «بَيْنَ العِشَاءَيْنِ» . فَوَجَدَ فيها رَجُلانِ يَقْتَتِلانِ؛ أي: يَتَهَاوَشَانِ وَيَتَضَارَبَانِ. {هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ} أَيْ: إِسْرَائِيليًّا.

{وَهَذَا مِنْ عَدُّوِّه} أي: قِبْطِيًّا. وكان مِصْرُ يسكنه قبيلان قَبِيلُ القبط الَّذين هم آَلُ فِرْعَوْنَ، وقبيلُ بَنِي إسرائيل الَّذين هم من ذرِّيَّة إبراهيم - عليه الصَّلاة والسَّلام - من ذرِّيَّة الأنبياء، وهم خَيْرُ أَهْلِ زَمَانِهِمْ.

بنو إسرائيل كانوا خَيْرَ أهل زمانهم. تَصَوَّرْ إنسانًا ينْتمي إلى فرعَون؛ كَم هو قَوِيٌّ ومُخيفٌ وجبَّارٌ، وإنسانًا يَنْتَمِي إلى فئَةٍ مُذَبَّحٌ أطْفالُهَا ومُسْتَضْعَفَةٌ؛ {فَاسْتَغَاثَهُالَّذِيمِنشِيعَتِهِعَلَاالَّذِيمِنْعَدُوِّهِ} .

وذلك أنَّ موسى - عليه السَّلامُ - كانت له بديار مصر صَوْلَةٌ بسبب نسبته إلى تبنِّي فرعون له، وتربيته في بيته، وكانت بنو إسرائيل قد عزُّوا، وصارت لهم وجاهةٌ، وارتفعت رءوسُهم بسبب أنَّهم أرضعوه، وهم أخوالُه؛ أي: من الرَّضاعة.

فلمَّا استغاث ذلك الإسرائيليُّبموسى - عليه السَّلامُ - على ذلك القبطيِّ، أَقْبَلَ إِلَيْهِ مُوسَى {فَوَكَزَه} .

قال مجاهدٌ: أي: «طَعَنَهُ بِجَمْعِ كَفِّهِ» . وقال قتادةُ: «بِعَصَا كَانَتْ مَعَهُ» .

فَالوَكْزُ هو الضَّرْبُ بِقَبْضَةِ اليَدِ، فمات الرَّجُلُ {فَقَضَى عَلَيْه} أي: فمات منها. ولم يُرِدْ موسى قَتْلَهُ بالكلِّيَّة، وإنَّما أراد زَجْرَهُ وَرَدْعَهُ.

فمات، فَنَدِمَ سَيِّدُنَا مُوسَى - عليه السلام - وقال: {هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ} ومع هذا قال موسى: «هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ» مع أنَّه لم يقصد قتلَه، وأراد زَجْرَهُ، فتاب سيِّدُنَا موسى - عليه السلام - واستغفر بسرعةٍ؛ {قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت