فهرس الكتاب

الصفحة 554 من 581

الوَحْيُ هُنَا إلهامٌ كما قال اللهُ تعالى: {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا} فكانت تَضَعُهُ في تابوتٍ، وَتَرْبِطُهُ بالحبل وتُلْقِيهِفي اليَمِّ.

وَفِي يَوْمٍ من الأيَّام سمعت صوتًا، فمن شدَّة خوفها أَلْقَتْهُ في اليَمِّ، وَنَسِيَتْ أَنْ تَرْبُطَ الحَبْلَ، فحملته الأمواجُ إلى بيت فرعون؛ {إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ} .

كانوا على خِلافِ الصَّواب، فاستحقُّوا هذه العُقُوبَةَ والحَسْرَةَ.

{فَالْتَقَطَهُآلُفِرْعَوْنَ} ذَكَرَ المفسِّرونَ أنَّ الجَوَارِيَ الْتَقَطْنَهُ من البَحْرِ في تابوتٍ مُغْلَقٍ عليه، فلم يتجاسرنَ على فتحه، حتَّى وَضَعْنَهُ بين يدي امرأةِ فرعون آَسِيَةَ بِنْتِ مُزَاحِمٍ.

فلمَّا رَأَتْهُ وَوَقَعَ نَظَرُهَا عليه، أَحَبَّتْهُ حبًّا شديدًا، فلمَّا جاء فرعونُ قال: ما هذا؟ وَأَمَرَ بِذَبْحِهِ، فاستوهبته منه، ودافعت عنه، وقالت: «قُرَّةُ عينٍ لي ولك» .

فقال لها فرعون: «أمَّا لَكِ فَنَعَمْ، وَأَمَّا لِي فلا» . أي: لا حَاجَةَ له بِهِ. والبلاء موكلٌ بالمَنْطِقِ.

وقوله: {عَسَاأَنيَنفَعَنَا} قد أنالها اللهُ ما رَجَتْ مِنَ النَّفْعِ؛ أمَّا في الدُّنيا فهداها اللهُ به، وأمَّا في الآخرة فَأَسْكَنَهَا جنَّته بسببه.

{أَوْنَتَّخِذَهُوَلَدًا} وذلك لأنَّهما تَبَنَّيَاهُ؛ لأنَّه لم يَكُنْ يُولَدُ لهما وَلَدٌ.

{وَهُمْلَايَشْعُرُونَ} أي: لا يَدْرُونَ ماذا يريد اللهُ بهم؛ أَنْ قيَّضهم لالتقاطه، من النِّقْمَةِ العظيمة بِفِرْعَوْنَ وَجُنُودِهِ.

وَتَرَعْرَعَ موسى - عليه السلام - في حِجْرِ فِرْعَوْنَ؛ لِيَعْلَمَ فرعونُ أنَّ ربَّ السَّماواتِ العلا هو القادرُ الغالبُ العظيمُ؛ فما شاء كان، وما لم يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، فَيَكُونَ أَبْلَغَ في إبطال حَذَرِهِمْ منه.

قوله: {وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أم مُوسَى فَارِغًا} فَرَغَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ من أمور الدُّنيا، إلاَّ من موسى.

{إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ} مِنْ شِدَّةِ قَلَقِهَا عليه كادت أن تُظْهِرَ أَمْرَهُ، وَتَسْأَلَ عنه جَهْرَةً.

{لَوْلَا أن رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا} أي: صَبَّرْنَاهَا وَثَبَّتْنَاهَا. {لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} .

{وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ} هي ابنتُها الكبيرةُ. {قُصِّيهِ} أي: اتَّبعي أَثَرَهُ، واطْلُبِي له خَبَرَهُ.

{فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ} أَبْصَرَتْهُ مِنْ بَعِيدٍ.

وقيل: «أَبْصَرَتْهُ وَجَعَلَتْ تَنْظُرُ إليه وكأنَّها لا تريده» .

{وَحَرَّمْنَاعَلَيْهِالْمَرَاضِعَ} من لُطْفِ الله بأمِّ موسى حرَّم اللهُ على موسى - عليه السلام - المراضع، فلا يَقْبَلَ ثَدْيَ امرأةٍ قَطُّ؛ ليكون مَآَلُهُ إلى أُمِّهِ، فَتُرْضِعَهُ.

لمَّا استقرَّ موسى - عليه السَّلامُ - بِدَارِ فِرْعَوْنَ، وأحبَّته امرأةُ الملك، واستطلقته منه، عرضوا عليه المراضعَ الَّتي في دارهم، فلم يقبل منها ثَدْيًا، وأبى أن يقبل شيئًا من ذلك.

فخرجوا به إلى سُوقٍ؛ لعلَّهم يجدون امرأةً تصلح لرضاعته، فلمَّا رَأَتْهُ بأيديهم عرفته {هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أهل بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ} فشكُّوا في أمرها، وقالوا لها: وما يدريك نُصْحَهُمْ له وَشَفَقَتَهُمْ عَلَيْهِ؟

فقالت: رَغْبَةً في صهرِ المَلِكِ، ورجاءَ منفعته. فأطلقوها وذهبوا معها إلى منزلهم، فأخذته أمُّهُ، فلمَّا أرضعته التقم ثَدْيَهَا، وأخذ يمتصُّه ويرتضعه، ففرحوا بذلك فرحًا شديدًا.

وَذَهَبَ البَشِيرُ إلى آَسِيَةَ يُعْلِمُهَا بذلك، فاستدعتها إلى منزلها، وعرضت عليها أن تكون عندها، وأن تُحْسِنَ إليها، فَأَبَتْ عليها وقالت: «إنَّ لِي بَعْلًا وَأَوْلادًا، ولستُ أَقْدِرُ على هذا إلاَّ أَنْ تُرْسِلِيهِ معي» .

فَأَرْسَلَتْهُ مَعَهَا، ورتَّبت لها رَوَاتِبَ، وَأَجْرَتْ عليها النَّفَقَاتِ والكسوة والهبات، فرجعت به تَحُوزُه إلى رحلها، وقد جمع الله شَمْلَهُ بِشَمْلِهَا.

{فَرَدَدْنَاهُإِلَاأُمِّهِكَيْتَقَرَّعَيْنُهَاوَلَاتَحْزَنَوَلِتَعْلَمَأَنَّوَعْدَاللَّهِحَقٌّ} أي: فيما وَعَدَهَا مِنْ رَدِّهِ إليها، وَجَعْلِهِ من المرسلين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت