فهرس الكتاب
ولهذا قال تعالى: {فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ} ؛ أَيْ: هلاَّ وُجِدَ فيما سَلَفَ من القرون قَرْيَةٌ آَمَنَتْ بكمالها.
توالتْ نِعمُ الله ولطفُه على عبده، فأنبَتَ الله عليه شجرةً من يقطين، شجرة القَرْع، فكان ورقُ تلك الشَّجرة غطاءً ناعمًا يظلِّل جسمَه، ويَقيه حرَّ الشَّمس، وجفافَ الهواء.
حتَّى إذا رجعتْ إليه صحَّتُه، وعادتْ له عافيتُه، رَجَعَ إلى قومه الَّذين تركهم مغاضبًا لهم، وعاد يتمِّم مهمَّتَه الأولى، فدعاهم ودعاهم، فآمنوا كلُّهم أجمعون.
1 -الأَصْلُ: أنَّ كُلَّ نَبِيٍّ يَمْكُثُ في مَقَرِّ دَعْوَتِهِ، حتَّى يُؤْذَنَ له بالهجرة والمفارَقة، فهذا نبيُّنا - صلَّى الله عليه وسلَّم - كان يتشوَّف للهجرة، وكان أبو بكرٍ يستأذنه في ذلك، فكان - عليه الصَّلاة والسَّلام - يقول له: «انْتَظِرْ؛ فَإِنِّي أَنْتَظِرُ أَنْ يُؤْذَنَ لِي» ، ثم أتى إلى أبي بكر بعدَ ذلك يبشِّره، ويقول له: «إِنِّي قَدْ أُذِنَ لِي بِالهِجْرَةِ» .
2 -أعظمُ دَرْسٍ وعبرةٍ هُوَ الهديُ الَّذي قالَه اللهُ لنبيِّه: {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ} [القلم: 48] .
فَأَصْحَابُ الدَّعوات لا بُدَّ أن يحتمِلُوا تكاليفَها، وأن يصبِروا على التَّكذيبِ والإيذاءِ مِنْ أَجْلِهَا.
مِنَ السَّهْلِ على المُصلِحين أن يغضبُوا؛ لأنَّ النَّاسَ لم يستجِيبُوا لهم فيهجُروهم، ولكن هذا لا ينصُرُ الحقَّ.
3 -انظروا إلى التَّوْبَةِ النَّصُوحِ الصَّادِقَةِ والإيمان كَيْفَ أَثَّرَتْ، وَقَاومَتِ الْعَذَابَ، فَدَفَعَتْ وَنَفَعَتْ.
فالشَّأْنُ كُلُّ الشَّأْنِ فِي صِدْقِ التَّوْبَةِ.
4 -لِسَائِلٍ أَنْ يَسْأَلَ: كَيْفَ قُبِلَتْ تَوْبَةُ قوم يُونُسَ ولَمْ يُقْبَلْ إِيمَانُ فِرْعَوْنَ؟
فَالْجَوَابُ مِنْ ثَلاثَةِ أوجُهٍ:
أَحَدُهَا: أنَّ ذَلِكَ كَانَ خَاصًّا لَهُمْ. كَمَا فِي الآية.
وَالثَّانِي: أنَّ فِرْعَوْنَ بَاشَرَهُ الْعَذَابُ، وَهَؤُلاءِ لَمْ يُبَاشِرْهُمْ. كما ذَكَرَهُ الزَّجَّاجُ.
الثَّالِثُ: أنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - عَلِمَ مِنْهُمْ صِدْقَ النِّيَّاتِ بِخِلافِ غَيْرِهِمْ.