تصوَّر لو وجدتَ شخصًا يقوم بإتلاف متاعك، ستقوم بالإنكار عليه بمراتب الإنكار الثَّلاثة، لكن لو وجدتَ شخصًا يعبث بمتاع غيرك ستمرُّ ولا تبالي، ومن هنا من كان يحبُّ الله، فإنَّه لا يرى منكرًا؛ لا يَصْبِرُ حتَّى يأمر أو ينهى، وإنَّ غَيْرَةَ المؤمن على محارم الله أَشَدُّ غَيْرَةً على من يَعْبَثُ بمتاعه.
في آخر الزَّمان يذوب قلبُ المؤمن في جوفه مما يرى، ولا يستطيع أن يغيِّر؛ إن سكت استباحوه، وإن تكلَّم قتلوه؛ «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا تَذْهَبُ الدُّنْيَا حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ عَلَى القَبْرِ فَيَتَمَرَّغَ عَلَيْهِ، وَيَقُولَ: يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَكَانَ صَاحِبِ هَذَا القَبْرِ، وَلَيْسَ بِهِالدينُ إِلاَّ البَلَاءُ» . رواه مسلمٌ.
قوله: {وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} :والتَّوَاصِي بالصَّبر كذلك ضرورةٌ، ويدخل فيه الصَّبْرُ الَّذي يجب، والصَّبْرُ الَّذي يُسْتَحَبُّ؛ فالقيامُ على الإيمان والعمل الصَّالح، وحراسة الحقِّ والعدل، من أعسر ما يكون على الإنسان المصلح.
والصَّبْرُ نَوْعَانِ؛ صَبْرٌ على المقدور كالمصائب، وَصَبْرٌ على المشروع، ومنه أَوَامِرُ، ومنه نَوَاهٍ، ولايُثَابُ عَلَيْهِإلاَّإذا اقْتَرَنَ بالإيمان والاحتساب، وَمِنْ ثَمَّجاء الحثُّ على التَّواصي بالرَّحمة أيضًا مع الصَّبْرِ في قوله تعالى: {ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمنوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ} .
وبهذه الوصايا الثَّلاث: بالتَّواصي بالحقِّ، والتَّواصي بالصَّبر، والتَّواصي بالرَّحمة، تكتمل مقوِّماتُ المجتمع المتكامل.
وبالتَّواصي بالصَّبر يستطيعون مواصلة سيرهم على هذا الصِّراط؛ لأنَّه لابُدَّأن يتعرَّض لأذى المخالفين والمعارضين.
وبالتَّواصي بالمَرْحَمَةِ يكونون مرتبطين كالجسد الواحد.
جُعِلَ التَّواصي بالصَّبر قرينًا للتَّواصي بالحقِّ، فصبروا على الحقِّ، ووصَّى بعضُهم بعضًا بالصَّبر عليه والثَّبات؛ لأنَّه إذا صَبَرَ لازَمَ عَمَلَ الطَّاعات.
وفي السُّورة الإشارةُ إلى أهمِّيَّة الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، وأنَّ من يقوم به غالبًا يتعرَّض لأذى النَّاس؛ فَلَزِمَهُمُ التَّواصي بالصَّبر.
وَمِنْ ثَمَّ قَرَنَ اللهُ الصَّبْرَ بأَرْكَانِ الإسلام، وَقَرَنَهُ بمقوِّمات الإيمان، وإذا تَبَيَّنَ هذا كلُّه فمراتبُ الكمال أَرْبَعٌ:
1 -معرفة الحقِّ من الباطل، فعرفوا الحقَّ وصدَّقوا به.
2 -العمل به، فعملوا بما علموه من الحقِّ.
3 -تعليمه من لا يُحْسِنُهُ.
4 -صَبْرُهُ على تعلُّمه، والعمل به وتعليمه.
الكمالُ أَنْ يَكُونَ الشَّخْصُ كاملًا في نفسه، مكمِّلًا لغيره، وكمالُه بإصلاح قوَّتَيْهِ العلميَّة والعمليَّة.
فصلاحُ القوَّة العلميَّة بالإيمان، وصلاحُ القوَّة العمليَّة بعمل الصَّالحات، وتكميلُه غيرَه بتعليمه إيَّاه، وَصَبْرِهِ عليه، وتوصيته بالصَّبر على العلم والعمل.
وَسُمِّيَتْ بذلك؛ لافتتاحها به.
هذه السُّورَةُ العظيمةُ الجليلةُذَكَرَ الله فيها صفاتٍ ذميمةً للكفَّار؛ فقد جمعوا مع الكفر هذه الصِّفات الذَّميمةَ، ومن اتَّصف بها من المسلمين فهو على خَطَرٍ عَظِيمٍ.