ولا يُحْتَجُّ بالقَدَرِ في الشَّيءِ الَّذي يَقْدِرُ عليه، كالطَّاعة والمعصية؛ فلا يَصِحُّ الاحتجاجُ بالقَدَرِ؛ لأنَّهَا فِعْلُهُ، وَكَسْبُهُ، وَاخْتِيَارُهُ.
فلو زنى، لا يَصِحُّأن يقول أنا مجبورٌ .. قدَّره الله؟ نعم. عَلِمَهُ وقدَّره كونًا، ولكن لا يرضاه شرعًا، ونهى عنه، وهذه مُغَالَطَةٌ يُغَالِطُ بها بَعْضُ الأشقياء.
إذا رَسَخَ الإيمانُ في القلب، تَحَقَّقَ التَّوْحِيدُ.
إذا رَسَخَ الإيمانُ في القلب، آَثَرَ الآَخِرَةَ على الدُّنيا.
الإيمانُ يَحْمِلُكَ على محبَّة الله وتوحيده والخوف منه.
إذا رَسَخَ الإيمانُ في القلب، تَوَلَّدَ منه التَّقْوَى، والتَّقوى يتولَّد منها الزُّهْدُ في الدُّنيا، وَمَحَبَّةُ الآخرة؛ فلا يَحْصُلُ زُهْدٌ بلا إيمانٍ، حَقِيقَةِ الإيمان.
ومن لم يؤمن بالآخرة؛ لم يَزْهَدْ في الدُّنيا، وإيثارُ الدُّنيا على الآخرة ضَعْفُإيمانٍ.
أمَّا إيمانُ النَّاس اليَوْمَفتقليديُّ، لم يحصل عِنْدَهُمْ رسوخُ إيمان باليوم الآخر، ولا بالجنَّة و النار.
ما الَّذي يجعله يأكل الرِّبا، مع أنَّه يقرُّ بحرمته، ويعلم وَعِيدَهُ الشَّدِيدَ؟ ضَعُفَإيمانُهُ، وَتَغَلَّبَتْ شَهْوَتُهُ.
ولذلك لا يَصْلُحُ القلبُ إلاَّ بالإيمانِ واليَقِينِ، ولا يَفْسَدُ القلبُ إلاَّ بالشِّرْكِ والمعاصي.
وصاحبُ الإيمان الكامل ينال ولايةَ الله؛ {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} .
الإيمانُ بكلِّ ما يجب الإيمانُ به، ولا يكون الإيمانُ بدون العلم؛ فهو فَرْعٌ عنه، لا يَتِمُّ إلاَّ به.
فالمصدرُ الأساسيُّ لهذا الإيمان هوالقرآنُ، كَشَجَرَةٍ طيِّبةٍ، القُرْآَنُ للقلب شِفَاءٌ، وَنُورٌ، وَرَوْحٌ، وَيُلِينُ القلبَ.
قال ابنُ القيِّم: «لا يكون إيمانٌ إلاَّ بِعِلْمٍ» .
قوله: {وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} :لا يكون العَمَلُ صالحًا إلاَّ بِثَلاثَةِ شُرُوطٍ: الإيمانُ، والإخلاصُ، والموافقةُ لهدي رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -.
كثيرٌ من النَّاس يهتمُّون بالعقيدة، وهذا مطلوبٌ، ويغفلون عن العمل الصَّالح، والسُّؤَالُ: متى يكون العملُ صَالِحًا؟
ليس مَطْلُوبًا مِنَّا أَيُّ عَمَلٍ؛ فلن ينظر اللهُ إلى أيِّ عَمَلٍ؛ إنَّما ينظر إلى العمل الصَّالح الموافق للكتاب والسُّنَّة، ولا يكون العملُ صالحًا إلاَّ إذا كان خالصًا موافقًا لهدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
قوله: {وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ} :التَّواصي بالحقِّ ضَرُورَةٌ، ويدخل فيه الحقُّ الَّذي يجب، والحقُّ الذي يُسْتَحَبُّ؛ لأنَّ خَيْرِيَّةَ المسلم لا تَقْتَصِرُ على إيمانه فَحَسْبُ، بل تتعدَّاه إلى مسئوليَّته تجاهَ الآخرين، فينشرَ الخيرَ والفضيلةَ، ويحاصرَ الشَّرَّ والرَّذيلة.
فَنَشْرُ الحقِّ صَعْبٌ وشاقٌّ، والمعوِّقاتُ كثيرةٌ، كلَّما كَثُرَ التَّواصي بالحقِّ، اتَّسعت دائرةُ الخير، وضاقت دائرةُ الشَّرِّ، والعكس بالعكس.
ولأنَّ بالتَّواصي بالحقِّ إقامةَ الحقِّ والاستقامةَ على الطَّريق المستقيم.
كان الصَّحَابَةُ لا يفترقون حتَّى يتلوَ بعضُهم على بعضٍ سُورَةَ العصر؛ لأنَّ الحُبَّ في الله له ثَمَنٌ باهظٌقَلَّ من يدفعه.
ثَمَنُ المَحَبَّةِ النَّصِيحَةُ؛ فإذا كنتُ أحبُّك أنصحك، ولكن بِحِكْمَةٍ، ومن هنا كان الصَّحابة حينما يجتمعون على المحبَّة يفترقون وهم عليها؛ «وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللهِ؛ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ، وَافْتَرَقَا عَلَيْهِ» متفق عليه.
فكانوا لا يفترقون حتَّى يَقْرَأَأَحَدُهُمْ على الآَخَرِ سورة العصر.
فَثَمَنُ الحبِّ في الله النَّصيحة، ومن ثمَّ جعل رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - الدِّينَ النَّصيحة.