فهرس الكتاب

الصفحة 462 من 581

اسْتَحَقُّوا الخسارة؛ لأنَّهم يفعلون غير ما خُلِقُوا له، فاستحقُّوا الجَحِيمَ.

بعدما بَيَّنَ اللهُ خَسَارَةَ الإِنْسَانِ، وأنَّ الخسارةَ مَرَاتِبُ، متعدِّدةٌ متفاوتةٌ، فمن النَّاس من تحيط به الخسارةُ من كلِّ وَجْهٍ، فَخَسِرَ الدُّنيا والآخرة؛ كحال الكافر، ففاته النَّعِيمُ، واستحقَّ الجحيم.

وقد يكون خاسرًا من بعض الوجوه دُونَ بَعْضٍ، فَبَيَّنَ بعدهافي سورة العصر أنَّه لا رَابِحَإلاَّأَرْبَعَةُأَهْلِ الإيمان والعمل والحقِّ.

قوله: {إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا} :الإيمانُ مِحْوَرُ السَّعادة، وهو أعظمُ مِنْحَةٍ، ومنه وبه يحقِّق اللهُ لك سعادةَ الدُّنيا والآخرة.

ولو اجتمع أَهْلُ الأرض كلُّهم على غَرْسِ هذا الأمر، ما استطاعوا؛ لأنَّه نُورٌ يَقْذِفُهُ اللهُ في القلب، فلا يستطيع أحدٌأن يُعْطِيَ الإيمانَ، ولا يستطيع أَحَدٌ نَزْعَهُ، واللهُ يَعْلَمُ من يستحقُّ الإيمانَ، ومن لا يستحقُّه.

وإذا عرفنا معنى الإيمان اللُّغَوِيِّ، سَهُلَ علينا مَعْرِفَةُ حقائقه.

الإيمانُ في اللُّغَةِ هو التَّصْدِيقُ، والَّذي يُصَدِّقُ ماذا يفعل؟ يأخذ بالسَّبب؛ يَفْعَلُ الخَيْرَ، وَيَتْرُكُ الشَّرَّ.

الإيمانُ أَمْرٌ وَنَهْيٌ؛ فلا يَصِحُّإِيمَانٌ بلا عَمَلٍ، كما لا يَصِحُّ عَمَلٌ بلا إيمانٍ.

وَشَرْعًا هو الإيمانُ بكلِّ ما يجب الإيمانُ به.

المرادُ به الانقيادُ والتَّسْلِيمُ؛ فمن حَقَّقَأَرْكَانَ الإيمان السِّتَّةِ، عِلْمًا، ورسوخًا، ويقينًا، انقادت جوارحُه لطاعة الله، وابتعدت عن معصيته.

يُوسُفُ - عليه السلام - إِيمَانُهُ جَعَلَهُ يَقُولُ: «مَعَاذَ اللهِ» وَمَنْ لَمْ يُحَقِّقْهُ تتمرَّد جوارحُه، وتتجرَّأ على الله، وتتفلَّت عليه شَهْوَتُهُ.

الإيمانُ بأركان الإيمان السِّتَّة:

-أوَّلًا: الإيمانُ بالله: الإيمانُ بوجوده، وربوبيَّته، وألوهيَّته، وأسمائه وصفاته.

وَمَا ضَلَّ مَنْ ضَلَّ إِلاَّ بسبب عَدَمِ تَحْقِيقِهِ تحقيقًا كاملًا، ودلَّت عليها آياتُ الله الكونيَّة والقرآنيَّة.

-ثانيًا: الإيمانُ بالملائكة: وتؤمن بوظائفهم، وصفاتهم، ومحبَّتهم، وموالاتهم.

-ثالثًا: الإيمان بالكتب: نؤمن بكلِّ كتابٍأَنْزَلَهُ اللهُ، لكن أمرنا الله بالإيمان بالقرآن، والعمل به.

-رابعًا: الإيمانُ بالرُّسُلِ، ومحبَّتهم، وموالاتهم، ولكن نتَّبع سُنَّةَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم -.

-خامسًا: الإيمانُ باليَوْمِ الآَخِرِ: ابْتِدَاءً بالموت، وانتهاءً بالجنَّة والنَّار.

الإيمانُ باليوم الآخر يقوم على الخَوْفِ مِنَ الله، واليَوْمِ الآَخِرِ؛ بِخِلافِ بَقِيَّةِ الأركان؛ لا يقوم على الخَوْفِ منهم.

-سادسًا: الإيمانُ بالقَدَرِ: الإيمانُ بالقَدَرِ هو أَحَدُأَرْكَانِ الإيمان السِّتَّةِ.

يَقُولُ الله تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} . وفي الحديث: «وَتُؤْمِنَ بِالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» رواه مسلم و غيره.

والقَدَرُ: كلُّ ما قدَّره اللهُ في الأَنْفُسِ، والكونِ، مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ، ممَّا كان ويكون إلى أن تقوم السَّاعَةُ، فلا يقع شيءٌ في الكون إلاَّ بتقديرٍ من الله، ومكتوبٍ في اللَّوح؛ منه ما يكون محبوبًا، ومنه مالا يكون محبوبًا، فلا يصحُّأن يقول: أنا مُجبَر، ويلغي الأخذ الأسبابَ.

والَّذي أخبرنا بأنَّ كلَّ شيءٍ بقضائه وقدره أمرنا بالأعمال، وأمرنا ببذل الأسباب.

ففي الحديث: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَلَا تَعْجَزْ، فَإِنْأَصَابَكَ شَيْءٌ فَلا تَقُلْ لَوْأَنِّي فَعَلْتُ كَذَا، لَكَانَ كَذَا، وَقُلْ قَدَّرَ اللهُ وَمَا شَاءَ فَعَلَ» رواه مسلم و غيره.

لأنَّه إذا خرج الأمرُ على غير ما تريد، فما كُتِبَ لك؛ فيحتجُّ بالقَدَرِ في الشَّيْءِ الَّذي لا يُقْدَرُ عليه مِثْلِ المصائب، كَوْنِهِ مَرِيضًا، أو عنده آَفَةٌ، أو عَاهَةٌ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت