فهرس الكتاب

الصفحة 512 من 581

قصَّة قوم عادٍ: أَرْسَلَ اللهُإِلَيْهِمْ نَبِيَّهُ هُودًا- عليه السَّلامُ - وهم مِنْ نَسْلِ سَامِ بْنِ نُوحٍ، وكانوا عَرَبًا جُفَاةً كَافِرِينَ وَعُتَاةً مُتَمَرِّدِينَ، سَكَنُوا الأَحْقَافَ مَا بَيْنَ حَضْرَمَوْتَ وَعُمَانَ، وكانوا يَسْكُنُونَ الخِيَامَ ذَاتَ العِمَادِ الطَّويلَةِ.

وكانوا أَوَّلَ مَنْ عَبَدَ الأَصْنَامَ بَعْدَ الطُّوفان؛ عَبَدُوا ثَلَاثَةَأَصْنَامٍ صدا، وصامودا، وهرا، فجاءهم نَبِيُّ الله هُودٌ - عليه السلام - وَدَعَاهُمْ إلى عبادة الله وَتَرْكِ الشِّرْكِ وعبادةِ الأصنام.

وَذَكَّرَهُمْ بِنِعَمِ الله عليهم فقال:: {وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُم بِمَا تَعْلَمُونَ أَمَدَّكُم بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} ، وقال: {وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةًفَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} .

فكذَّبوه، وخالفوه، وتنقَّصوه فقالوا: {مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ} ، وقالوا: {إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ} .

فَمِنْ رَحْمَةِ الله بعباده أنَّه لا يعاجلهمبالعقوبةإلاَّ بعد أن يُرْسِلَ عليهم عِدَّةَ نُذُرٍ؛ {وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ} .

فَسَلَّطَ عليهم القَحْطَ ثَلاثَ سَنَوَاتٍ حتَّى أَجْدَبَتِ الأَرْضُ، وَمَاتَتِ المَوَاشِي، فأرسلوا وَفْدًا إلى الحَرَمِ؛ لأنَّهم يعلمون فيما مضى أنَّ الدُّعَاءَ فيه مُسْتَجَابٌ، فأرسلوا وَفْدًا من سَبْعِينَ رَجُلًا على رأسهم رَجُلٌ يُقَالُ له قيل.

وَنَزَلُوا على رَجُلٍ مِنَ العَمَالِقَةِأخواله قَوْمُ عَادٍ، وَمَكَثُوا عنده شهرًا يشربون الخمر، فلمَّا طال مُكْثُهُمْ عِنْدَهُ وأخذته الشَّفقةُ على قومه، أَمَرَ القينةَ أن تغنِّيهم أبياتًا، فعند ذلك تنبَّه القومُ لما جاءوا له.

وهود - عليه السَّلام - اسْتَغَلَّ الفُرْصَةَ وَنَصَحَ قَوْمَهُ فقال: {يَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ} أي: فِيمَا مَضَى، {ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ} فيما بَقِيَ، {يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ} أي: مُصِرِّينَ على كفركم.

فردُّوا عليهم: {يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَإِن نَّقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ} .

اتَّهموه بأنَّه في سَفَاهَةٍ، وأنَّهُ مَجْنُونٌ بِسَبَبِ أنَّ بَعْضَ الآلهة اعتراه بِسُوءٍ، وأنَّه بَشَرٌ مِثْلُهُمْ يأكل ممَّا يأكلون ويشرب ممَّا يشربون.

وأنكروا البَعْثَ، وادَّعوا أنَّ المسألة ما هي إلاَّأَرْحَامٌ تَدْفَعُ وَأَرْضٌ تَبْلَعُ، {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ} .

فكانت البَيِّنَةُ: أنَّ هودًا - عليه السلام - تحدَّى قَوْمَهُ، وتحدَّى آلهتَهم أَنْ يَمَسُّوهُ بِسُوءٍ؛ لأنَّه متوكِّلٌ على الله، فقال: {فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنظِرُونِ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ} .

وَصَلَ هُودٌ - عليه السلام - إلى هذه المَرْحَلَةِ؛ لأنَّها مُعْجِزَةٌ له، وإنَّ قَوْمَهُ لن يَصِلُوا إليه، وإنَّ سببَ انتصاره عليهم بالتَّوكُّل على الله؛ {وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا} .

نَعُودُ إلى قصَّة الوفد حينما مَكَثُوا شهرًا يشربون الخَمْرَ حتَّى ذَكَّرَهُمْ مَنِ استضافهم عنده بأبيات شِعْرٍ، فَنَهَضَ قيلٌ رَئِيسُ الوَفْدِ، وتوجَّهوا إلى الحَرَمِ.

وَقَامَ قِيلٌ فَقَالَ: «اللَّهمَّإنَّك تعلم أنِّي لم أَجِئْ إلى مَرِيضٍ فَأُدَاوِيَهُ ولا إلى أَسِيرٍ فَأَفْتَدِيَهُ، اللَّهمَّ اسْقِ عَادًا ما كُنْتَ تَسْقِيهِ» . فَعَرَضَ عليه ثَلاثُ سَحَابَاتٍ بَيْضَاءُ وَسَوْدَاءُ وَحَمْرَاءُ، فقالوا: اخْتَرْ، فقال: اخترتُ السَّوْدَاءَ.

فَنُودِيَ منها: خُذْهَا نارًا رَمَدًالا تُبْقِي مِنْ عَادٍأحدًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت