فهرس الكتاب

الصفحة 251 من 581

قال ابنُ القَيِّمِ: «الخَبِيرُ هو الَّذي انْتَهَى عِلْمُهُ إلى الإحاطة ببواطن الأشياء، وخفاياها، كما أحاط بظواهرها» .

كيف لا، والله قد كتب كلَّقَوْلٍ قَالَهُ العَبْدُ، وَكُلَّ عَمَلٍ عَمِلَهُ العَبْدُ قَبْلَ ما يقوله وَقَبْلَأن يعمله؛ لأنَّ عِلْمَهُ سَابِقٌ فينا، واللهُ أَحَاطَ عِلْمُهُ بكلِّ شَيْءٍ.

لذلك وجَّه اللهُ المؤمنين في نهاية السُّورة بعد أن ذَكَرَ صِفَاتِ المنافقين وأفعالهم وأقوالهم إلى مخالفة أهل النِّفاق، والحَذَرِ من الاغترار بالدُّنيا.

وَحَثَّنَا على الازدياد من الخير، وأعطانا صورةَ الإنسان على فِرَاشِ الموت، وكيف يَطْلُبُ الإنسانُ العَمَلَ الصَّالحَ بَعْدَ فواتِ الأوان.

فَعَلَيْنَا بطاعة الله؛ حتَّى نَحْظَى بسعادة الدُّنيا والآخرة.

التَّغَابُنِ: الغَبْنُ هو الخَسَارَةُ والنَّدامةُ والحَسْرَةُ.

وسمِّي يوم القيامة بِيَوْمِ التَّغابن؛ لأنَّه يَظْهَرُ فيه الخُسْرَانُ والغَبْنُ لكلِّ أَحَدٍ؛ فالمطيعُ مَغْبُونٌ إذا رَأَى جَزَاءَ الطَّاعَاتِ، فيقول: قد كنتُأَقْدِرُ على أَكْثَرَ مِنْ هَذَا، فيتحسَّرَ على أنَّهُ لَمْ يَزْدَدْ.

والعاصي، يتمنَّى أَنْ لو تَابَ وَقَدَّمَ لِحَيَاتِهِ.

فَمَا أَعْظَمَ الغَبْنَ إذا ضيَّعْتَ بَعْضَ الأوقات في المباحات! فكيف بمن قضاها في المعاصي؟ فَرُبَّ مَسْرُورٍ وهو مغبونٌ، وَرُبَّ مَغْبُونٍ وَهُوَ لا يَشْعُرُ.

والكافرُ غَبْنُهُ وَاضِحٌ؛ لِتَرْكِهِ للإيمان.

هذه السُّورَةُ العظيمةُ، والجَلِيلَةُ هِيَآَخِرُ السُّوَرِ المُسَبِّحَاتِ، وهي خَمْسٌ: الحَدِيدُ، والحَشْرُ، والصَّفُّ، والجُمُعَةُ.

وهذه السُّورَةُ تتحدَّث عن عدَّةِأُمُورٍ:

-افْتُتِحَتْ بالتَّسْبِيحِ والتَّنْزِيهِ لله عن جميع النَّقائص والمعائب؛ لِكَوْنِهِ إِلَهَ الخَلْقِ جَمِيعًا؛ فَجَمِيعُ ما في السَّماوات، وما في الأرض، وما من شَيْءٍإلاَّ يُسَبِّحُ لَهُ، وَيُمَجِّدُهُ، وَيُقَدِّسُهُ، وَيُعَظِّمُهُ عن كلِّ مالا يَلِيقُ به - سبحانه - بِلِسَانِ الحال والمقال.

ثمَّ تحدَّثت عن تَفَرُّدِ الله بِخَلْقِ النَّاسِ وَخَلْقِأَعْمَالِهِمْ، لكنَّ النَّاسَ قَامُوا بما قاموا به من أَعْمَالٍ مُخْتَارِينَ.

لِذَلِكَ انْقَسَمُوا إلى فَرِيقَيْنِ؛ فَهَذَا بِعَدْلِ الله كَفَرَ، وهذا بفضله آَمَنَ، ثمَّ خَلَقَ السَّماواتِ والأرضَ بالحقِّ؛ لِيَعْرِفَ العِبَادُ كَمَالَ قدرته وإحاطة عِلْمِهِ.

ثمَّ تحدَّثت عن الرَّدِّ على مُنْكِرِي البَعْثِ والحساب، وَدَعَاهُمْ إلى الإيمان بالله وكتابه، ثمَّ بيَّن بعد ذلك مكافأةَ المؤمن على إيمانه وعمله بالجنَّة، وعُقُوبَةَ الكافر على كُفْرِهِ بالنَّار.

فاللهُ لم يُعَامِلْهُمْ بِعِلْمِهِ، وإنَّما عَامَلَهُمْ بِعَمَلِهِمْ يَوْمَ التَّغابن حينما يَغْبِنُ أَهْلُ الجنَّة أَهْلَ النَّار.

ثمَّ خُتِمَتِ السُّورَةُ بِثَلاثٍ مُنْجِيَاتٍ مِنَ التَّغَابُنِ: الإيمانِ بالله وبقضائه وَقَدَرِهِ، وطاعة الله ورسوله، والإنفاق على الأقارب والإحسان إلى الخَلْقِ، وَنَزَّلَهُ مَنْزِلَةَ القَرْضِ له.

قوله: {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} .

تَنْزِيهُ الله عن النَّقائص والمعائب في الرُّبوبيَّة، والألوهيَّة، والأسماء والصِّفات، وفي خَلْقِهِ وَقَدَرِهِ، وفي أَفْعَالِهِ، وفي أَمْرِهِ وَشَرْعِهِ؛ فَلَهُ الكَمَالُ المُطْلَقُ.

وَأنَّ جميعَ ما في سماواته وأرضه وما مِنْ شَيْءٍإلاَّ يسبِّح اللهَ، وَيُعَظِّمُهُ، وَيُقَدِّسُهُ، وَيُمَجِّدُهُ عن كلِّ ما لا يَلِيقُ به بلسان الحال والمقال؛ فالكلُّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِ الله، وَيُثْبِتُ له الكمالات.

قوله: {لَهُ الْمُلْكُ} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت