ولا يُنْفِقُ الإنسانُ المالَ إلاَّ إذا أحبَّ اللهَ والدَّارَ الآخرةَ، أمَّا غَيْرُ ذلك فلا يُنْفِقُهُ إلاَّ إذا أَحَبَّ المَدْحَ، أو أَحَبَّ الدُّنْيَا، أَنْفَقَ مِنأَجْلِهَا.
انظروا إلى الإنسان حينما يشتري سيَّارةً جَيِّدَةً؛ يَدْفَعُ المال وهو فَرِحٌ بها، فكيف بِمَنْ يشتري الجَنَّةَ؟
فالَّذي يؤمن بالله واليوم الآخر تَهُونُ عليه النَّفَقَةُ.
ومِنْ ثَمَّ تَرَكَ أَهْلُ النِّفَاقِ كَثِيرًا من العبادات المَالِيَّةِ بسبب حبِّهم للمال، يقول اللهُ: {وَلَا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ} .
يقول ابنُ تَيْمِيَّةَ: «طَلَبُ الحلال والنَّفَقَةِ على العيال بَابٌ عَظِيمٌ لا يَعْدِلُهُ شَيْءٌ من أعمال البِرّ» .
قوله: {مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ} .
هناك غَايَةٌ تنتهي إليها حياتُك، ويتوقَّف فيها عَمَلُكَ، وينتقل هذا المالُ منك إلى غيرك؛ فأنت في حالة الصِّحَّةِ تملك مالَكَ كلَّه، وفي حالةِ المَرَضِ تَتَصَرَّفُ في حدود الثُّلُثِ، وبعد الموت ينتقل إلى الوَرَثَةِ.
والحِرْمَانُ كلُّ الحرمان أن تَمُوتَ ولم تُقَدِّمْ لِنَفْسِكَ من مَالِكَ الَّذي تَعِبْتَ فيه شيئًا.
ولاشَكَّ أنَّالمالَ الَّذي يَخْرُجُ مِنْ يَدِكَ خَيْرٌ من المال الَّذي يُخْرِجُهُ غَيْرُكَ.
قوله: {فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ} .
يَطْلُبُ الإنسانُ المُهْلَةَ عند الموت حينما يرى الموتَ؛ ليستدرك ما فات، فأمَّا الكافرُ فَيَطْلُبُ الرَّجْعَةَ؛ لَعَلَّهُ يُؤْمِنُ، وأمَّا العاصي فَيَطْلُبُ المُهْلَةَ؛ لَعَلَّهُ يَتُوبُ، وأمَّا المُؤْمِنُ فَيَطْلُبُ المُهْلَةَ؛ لعلَّه يَزْدَادَ، والكلُّ يَتَأَسَّفُ على ما فات.
المؤمنُ قَبْلَ نزول الموت يَكْرَهُ الموتَ، وَيَقْلَقُ، ولكن إذا حَضَرَهُ الموتُ وَبُشِّرَ بكرامة الله، أَحَبَّ الموتَ.
فعَلَيْنَا بطاعة الله؛ حتَّى نَحْظَى بسعادة الدُّنيا والآخرة، وَمَنْ عَصَى اللهَ، فَهُوَ في شَقَاءٍ في الدُّنيا وعند الموت، وَيُبَشَّرُ بعذاب الله.
خُذْ من دنياك ما أَحَلَّ اللهُ، وَاتْرُكْ مَا حَرَّمَ اللهُ، يَجِبُ علينا أن نُجَاهِدَ أَنْفُسَنَا.
قوله: {فَأَصَّدَّقَ} .
لأنَّه لم يَعْمَلْ بقول الله: {وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ} .
قوله: {وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ} .
قيل: «إنَّ قَوْلَهُ: {فأصَّدق} أي: أُخْرِجُ الزَّكَاةَ.
{وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ} أَحُجُّ؛ لأنَّه أَمْضَى حَيَاتَهُ مَشْغُولًا بالدُّنيا؛ فما أَخْرَجَ الزَّكَاةَ، ولا حَجَّ.
والظَّاهرُ أنَّالآية عامَّةٌ؛ أَيِ: اعْمَلِ الأعمال الصَّالحة.
قوله: {وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا} .
رَدَّ الله على هذا الميِّت الَّذي طلب الرَّجْعَةَ المتمنِّي لها وهو على فراش الموت، وَطَلَبَ المُهْلَةَ؛ ليستدرك ما فات، ولكنه-سبحانه - قضى وَحَكَمَ أنَّأَيَّ نَفْسٍ جَاءَأَجَلُهَا، فَلَنْ يُؤَخِّرَهَا.
وفي نَفْسِ الوقت اللهُ - تعالى - خَبِيرٌ، وَيَعْلَمُ أنَّهم لو رُدُّوا، لعادوا لِمَا نُهُوا عنه؛ فاللهُ عَالِمٌ بما العباد عاملون من خَيْرٍ وَشَرٍّ.
وما مِنْ مَيِّتٍ نَزَلَ به الموتُ إلاَّ نَدِمَ؛ سَوَاءٌ كان مُحْسِنًا أو مُسِيئًا؛ لأنَّه يرى أعماله ويرى الخاتمة ويرى الجنَّة والنَّار والعَمَلُ يَنْتَهِي بالموت، فَيُخْتَمُ إذا بَلَغَتِ الرُّوحُ الحُلْقُومَ.
قوله: {وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} .
والله- سبحانه - خَبِيرٌ بالَّذي تعملونه من خَيْرٍ وَشَرٍّ؛ فالخَبِيرُ هو الَّذي انْتَهَى عِلْمُهُ إلى الإحاطة ببواطن الأشياء، وسيجازيكم على ذلك.
الخبير: هو الَّذي عِلْمُهُ دَقَّ وَلَطُفَ حتَّى أدرك السَّرائرَ والضَّمَائِرَ والخفيَّاتِ.