فهرس الكتاب
وهو من الأنبياء المنصوص على الإيحاء إليهم في سورة النِّساء، في قوله: تعالى: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ} .
اللهُ - تعالى - لا يظلم أحدًا، ولا يعذِّب أحدًا بدون ذَنْبٍ، ولكنَّ المَصَائِبَ الَّتي تُصِيبُ الإنسانَ في أَمْوَالِهِ وأهله وبدنه قد تكون لتكفير سيِّئاته، أو لرفع درجاته، وتزهيدًا له في الدُّنيا.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِنَّ الرَّجُلَ لُيَكُونُ لَهُ الدَّرَجَةُ عِنْدَ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - مَا يَبْلُغُهَا بِعَمَلِهِ حَتَّى يَبْتَلِيَهُ اللَّهُ فِي جَسَدِهِ فَيَبْلُغُهَا بِذَلِكَ الْبَلاءِ» . ابن أبي شَيْبَةَ و الهيثمي و حسنه اللباني في صحيح الجامع.
فالمُؤْمِنُ إذا أَصَابَتْهُ السَّرَّاءُ شَكَرَ، وإذا أصابته الضَّرَّاءُ صَبَرَ.
وإنَّ نَبِيَّ الله أَيُّوبَ ابْتَلاهُ الله بالسَّرَّاءِ فَشَكَرَ، وَابْتَلاهُ اللهُ بالضَّرَّاءِ فَصَبَرَ، فأثنى الله عليه؛ {نِعْمَ العَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} .
ومعنى أوَّاب: رجَّاعٍ إلى الله بالطَّاعة.
فقد استطاع نبيُّ الله أيُّوب بِعَوْنٍ من الله أن يجتاز أنواعًا من البلاء في الأهل والمال، والنَّفس والبدن، فعوَّضه الله عن ذلك كلِّه؛ رحمةً منه، وذكرى للعابدين.
وقصَّة ابتلاء أيُّوب - عليه السَّلام - مِنْ أَرْوَعِ القصص في الابتلاء، والنُّصوص القرآنيَّة تشير إلى مجملها دون تفصيلٍ.
هناك قصصٌ خياليَّةٌ في سبب بلاء أيُّوب، وفي سبب حلفه على زوجه، منها ما هو باطلٌ لا يصحُّ اعتقادُه، ومنها ما هو ضعيفٌ وَاهِنٌ.
قال علماء التَّفسير والتَّاريخ وغيرُهم: «كان أيُّوبُ رجلًا كثير المال، من سائر صنوفه وأنواعه من الأنعام والعبيد والمواشي والأراضي المتَّسعة بأرض الثَّنِيَّةِ مِنْ أَرْضِ حوران.
وحكى ابنُ عَسَاكِرَ: أنَّها كلَّها كانت له، وكان له أولادٌ وَأَهْلُونَ كَثِيرٌ.
أعطى اللهُ أَيُّوبَ مالًا كثيرًا، وأعطاه أهلًا وأولادًا كَثُرًا، وفوق ذلك كلِّه أعلى الله مكانته واختاره للنُّبوَّة.
وكان مؤمنًا يشكر الله على نِعَمِهِ، ويساعد النَّاس جميعًا .. ولم يتكبَّر بما لديه من مزارع وحقولٍ وماشيةٍ وأولادٍ.
امتحنه اللهُ بعبوديَّة السَّرَّاء ثمَّ ابتلاه بعبوديَّة الضَّرَّاء. انتقل من عبوديَّة المنحة إلى عبوديَّة المحنة. وهذا من أصعب ما يكون بعدما ترتفع تتَّضع.
وقال الشَّيطانُ إنَّ أيُّوبَ كان يعبد الله؛ لأنَّه أعطاه هذا الخير العميم، والفضل الكثير من البنين والبنات والأموال من قطعان الماشية والأراضي الخصبة .. فأيُّوبُ يعبد الله لذلك وخوفًا على أمواله، ولو كان فقيرًا ما عبد الله ولا سجد له.
ووجد الشَّيطانُ من يسمع له ويصغي لما يقول من وساوس، فتغيَّرت نظرتهم إلى سيِّدنا أيُّوب - عليه السَّلام - وأصبحوا يقولون: «إنَّ أَيُّوبَ لو تعرَّض لأدنى مصيبةٍ، لترك ما هو فيه من الطَّاعة والإنفاق في سبيل الله» .
فَسُلِبَ منه ذلك جميعُه، وابتلي في جسده بأنواعٍ من البلاء، ولم يَبْقَ منه عُضْوٌ سَلِيمٌ سِوَى قلبه ولسانه يذكر الله - عزَّ وجلَّ - بهما، وهو في ذلك كلِّه صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ ذاكرٌ لله - عزَّ وجلَّ - في لَيْلِهِ وَنَهَارِهِ وَصَبَاحِهِ وَمَسَائه.