فهرس الكتاب
بدأت المحنةُ والابتلاء من الله - تعالى - وكان سيِّدُنَا أَيُّوبُ - عليه السَّلام - حامدًا شاكرًا ساجدًا لله تعالى على نعمه الكثيرة ولكن أراد الله أن يمتحنه.
فالله - عزَّ وجلَّ - يَبْتَلِي عبادَه بالسَّرَّاء والضَّرَّاء وبالشِّدَّة والرَّخاء، وقد يبتليهم بها؛ لرفع درجاتهم وإعلاء ذكرهم، ومضاعفة حسناتهم، كما يفعل بالأنبياء والرُّسُل - عليهم الصَّلاة والسَّلام - والصُّلَحَاءِ من عباده.
وطال مَرَضُهُ حتَّى عافه الجليسُ، وأوحش منه الأنيسُ، وأُخْرِجَ مِنْ بَلَدِهِ، ولم يَبْقَ أَحَدٌ يحنو عليه سوى زوجته، كانت ترعى له حقَّه، وتعرف قديمَ إحسانه إليها، وشفقته عليها، فكانت تتردَّد إليه فتصلح من شأنه، وتعينه على قضاء حاجته، وتقوم بمصلحته.
وضعف حالها، وهي صابرةٌ معه على ما حلَّ بهما من فراق المال والولد، وما يختصُّ بها من المصيبة بالزَّوج، وضيق ذات اليد بعد السَّعادة والنِّعمة والخدمة والحرمة، فإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون!
وكان نبيُّ الله أيُّوب - عليه السَّلام - لا يزداد مع زيادة البلاء إلاَّ صبرًا وطُمَأْنِينَةً.
وحاول الشَّيطانُ اللَّعينُ أن ينال من قلب نبيِّ الله أيُّوب - عليه السَّلام - فأخذ يوسوس إليه من كلِّ جانبٍ قائلًا: ماذا فعلتَ يا أيُّوب حتَّى يموتَ أولادُك وتصاب في أموالك، ثمَّ تصاب في صحَّتك؟
فاستعاذ سيِّدنا أيُّوب - عليه السَّلام - بالله من الشَّيطان الرَّجيم.
وعنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضي الله عنه - أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلَّى الله عليه وسلَّم - قَالَ:
«إِنَّ أيوب نَبِيَّ اللَّهِ كَانَ فِي بَلَائِهِ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَرَفَضَهُ الْقَرِيبُ وَالْبَعِيدُ، إلارجلان مِنْ إِخْوَانِهِ كَانَا مِنْ أَخَصَّ إِخْوَانِهِ، كَانَا يَغْدُوَانِ إِلَيْهِ وَيَرُوحَانِ إِلَيْهِ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: أَتَعْلَمُ، وَاللَّهِ لَقَدْ أَذْنَبَ أيوب ذَنْبًا مَا أَذْنَبَهُ أَحَدٌ، قَالَ صَاحِبُهُ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: مُنْذُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً لَمْ يَرْحَمْهُ اللَّهُ فَيَكْشِفُ عَنْهُ.
فَلَمَّا رَاحا إِلَيْهِ لَمْ يَصْبِرِ الرَّجُلُ حَتَّى ذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ أيوب: لَا أَدْرِي مَا يَقُولُ، غَيْرَ أن اللَّهَ يَعْلَمُ أَنِّي كُنْتُ أَمُرُّ عَلَى الرِّجْلَيْنِ يَتَنَازَعَانِ، فَيَذْكُرَانِ اللَّهَ، فَأَرْجِعُ إلى بَيْتِي فَأُكَفِّرُ عَنْهُمَا كَرَاهِيَةَ أن يُذْكَرَ اللَّهُ إلا فِي حَقٍّ». رواه أبو يعلى في «المسند» (6/ 299) ، وابن حبَّان في «صحيحه» (7/ 159) ، والحاكم في «المستدرك» وصحَّحه الألبانيُّ في «السِّلسلة» .
لمَّا طال الأَمْرُ نادى أيُّوبُ رَبَّهُ أنِّي مسَّني الضُّرُّ وأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحمين. فَأَمَرَهُ اللهُ أَنِ اضْرِبْ بِرِجْلِكَ الأرضَ يَا أَيُّوبُ! فَضَرَبَ بِرِجْلِهِ الأرضَ، فنبعت عَيْنٌ فاغتسل من النَّبع البارد، وشرب، فبرأ بإذن الله فَرَجَعَ صحيحًا.
وبينما نَبِيُّ الله أيُّوب - عليه السَّلام - يغتسل عريانًا خَرَّ عليه رِجْلُ جَرَادٍ مِنْ ذَهَبٍ، فجعل يحثي في ثوبه، فناداه ربُّه: يا أيُّوبُ ألم أكن أغنيتُك عمَّا ترى؟ قال بلى يا ربِّ، ولكن لا غِنَى لي عن بركتك. رواه البخاريُّ.
عن أبي هريرة: أُرْسِلَ على أيُّوب رجلٌ من جرادٍ من ذهبٍ، فجعل يقبضها في ثوبه، فقيل: يا أيُّوب ألم يكفك ما أعطيناك؟ قال: أي ربِّ وَمَنْ يستغني عن فضلك؟!
عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: «لَمَّا عَافَى اللهُ أَيُّوبَ - عليه السَّلامُ - أَمْطَرَ عَلَيْهِ جَرَادًا مِنْ ذَهَبٍ، فَجَعَلَ يَأْخُذُ بِيَدِهِ وَيَجْعَلُ فِي ثَوْبِهِ» ، قَالَ: فَقِيلَ لَهُ: يا أيُّوبُ أما تَشْبَعُ؟ قال: «يَا رَبُّ وَمَنْ يَشْبَعُ مِنْ رَحْمَتِكَ؟!» الطبراني في الأوسط و هو صحيح على شرط مسلم.
وعن ابن عبَّاس عند ابن أبي حاتمٍ: «فَجَعَلَ أَيُّوب يَنْشُرُ طرفَ ثَوْبِهِ فيأخذ الجراد، فيجعله فيه، فكلَّما امتلأت ناحيةٌ نَشَرَ نَاحِيَةً.
وناداه رَبُّه: يا أيُّوب، ألم أَكُنْ أَغْنَيْتُكَ عَمَّا ترى؟ فأجابه أيُّوبُ عليه السَّلام: بلى وعزَّتِكَ، ولكن لا غنى بي عن بركتك».
وهذا كلُّه تعويضٌ له عمَّا فاته من ماله.