وَالمُقْسَمُ عَلَيْهِ: {لَتَرْكَبُنَّطَبَقًاعَنْطَبَقٍ} .
قيل: «حالًا بَعْدَ حَالٍ» .أَيْ: حالًا في الزَّمان، وفي المكان، وفي الأبدان، وفي القلوب؛ {وَتِلْكَالْأَيَّامُنُدَاوِلُهَابَيْنَالنَّاسِ} .
فأمَّا في الزَّمان؛ فَتَقَلُّبُ الإنسان بَيْنَ الغِنَى والفَقْرِ، والصِّحَّةِ والمَرَضِ، والفرح والحُزْنِ، والضَّحِكِ والبكاء، والاجتماع والافتراق، فَجَعَلَ اللهُ الدُّنيا سَرِيعَةَ الزَّوال، مُتَقَلِّبَةَ الأحوال، ولا يدوم على حالٍ لها شان.
أمَّا في المكان؛ فالإنسانُ يَتَقَلَّبُ بين البِلادِ مِنْ بَلَدٍ إلى بَلَدٍ، فَتَارَةً في بَلَدٍ، وَتَارَةً في بَلَدٍ، ثمَّ يَنْتَقِلُ من الدُّنيا إلى الآخرة، ثمَّ إلى القبر، ثمَّ إلى أَرْضِ المَحْشَرِ، ثمَّ في دَارِ القَرَارِ.
أمَّا تَقلُّبُ الأَبْدَانِ؛ فَكَانَ الإنسانُ نُطْفَةً، ثمَّ عَلَقَةً، ثمَّ مُضْغَةً، ثمَّ عِظَامًا، ثمَّ كُسِيَالعظمُ لحمًا، ثمَّ نُفِخَ فيه الرُّوحُ، ثمَّأَصْبَحَ بَشَرًا سَوِيًّا، ثمَّ طِفْلًا، ثمَّ بَلَغَأَشُدَّهُ، ثمَّ شَيْخًا كَبِيرًا، ثمَّ الموت والفناء، ثمَّإعادة الأجساد بَعْدَ فَنَائهَا.
أمَّا تَقَلُّبُ القلوب؛ فهذا أَشَدُّ الأحوال، وأكثرُها خطرًا، ولايَدُومُ القَلْبُ على حالٍ.
و في الحديث «كانرسولُاللهِ - صلى الله عليه وسلم - يكثرُأنْيقولَيامقلبَالقلوبِثبتْقلوبَناعلادينِكَ» .
فالقَلْبُ لايَدُومُ على حالٍ؛ تَارَةً ينشرح للطَّاعةِ، وَتَارَةً يَنْقَبِضُ، وَتَارَةً يَزْدَادُ الإيمانُ، وأخرى يَنْقُصُ، وَتَجِدُ القَلْبَ مُتَقَلِّبًا، فمنهم من يكون كافرًا، ثمَّ يَنْقَلِبُ إلى حالِ الإيمان، ومنهم مَنْ هُوَ مُؤْمِنٌ، ثمَّ يَكْفُرُ، فالإنسانُ يَتَقَلَّبُ حَالًا بَعْدَ حَالٍ، وما على الإنسان إلاَّأَنْ يَجِدَّ وَيَجْتَهِدَ، على أَنْ يَكُونَ على حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، وهي الإيمانُ والعَمَلُ الصَّالِحُ.
أَقْسَمَ اللهُ للإنسان أنَّه سَيَمُرُّ على أهوالٍ وشدائدَعَصِيبَةٍ في الآخرة آَخِرُهَا النَّارُ.
ومع هذا كلِّه، لازَالَ الإنسانُ مُصِرًّا على كُفْرِهِ وَفُجُورِهِ، وَغَافِلًا عَنْ رَبِّهِ؛ فَمَا تفكَّر في خَلْقِ نَفْسِهِ، ولا في مخلوقات ربِّه.
قوله: {فَمَالَهُمْلَايُؤْمِنُونَ} :أَيُّ شَيْءٍ يَمْنَعُهُمْ من الإيمان وقد بيَّنَّا لهم؟
قوله: {وَإِذَاقُرِئَعَلَيْهِمُالْقُرْآَنُ} :هذا القُرْآَنُ فِيهِ عِبَرٌ وَعِظَاتٌ، وَفِيهِ عَجَائِبُأَبْلَغِ الكلام، وَأَصْدَقِ الحديث، وَأَحْسَنِهِ، وَأَفْضَلِهِ.
قوله: {لَايَسْجُدُونَ} قيل: «لا يَخْضَعُونَ لأَوَامِرِهِ، ولا يستجيبون له، أو لا يلتفتون إليه» .
وقيل: «لا يسجدون ولا يصلُّون» ؛ {وَإِذَاقِيلَلَهُمُارْكَعُوالَايَرْكَعُونَ} .
قوله: {بَلِالَّذِينَكَفَرُوايُكَذِّبُونَ} :أَيُّ شَيْءٍ يَمْنَعُهُمْ من الإيمان بالله وبالقرآن، رَغْمَ كَثْرَةِ شَوَاهِدِ الحقِّ؟
السَّبَبُ في ذلك التَّكْذِيبُ والعِنَادُ والمُكَابَرَةُ.
قوله: {وَاللَّهُأَعْلَمُبِمَايُوعُونَ} :أي يَعْلَمُ ما يُضْمِرُونَ مِنَ الكُفْرِ، وَعَاقِبَةَ كُفْرِهِمْ وَعِنَادِهِمْ.
قوله: {فَبَشِّرْهُمْبِعَذَابٍأَلِيمٍ} :سَبَبُ ذَلِكَ كُفْرُهُمْ بالله، وبالرَّسول، وبالقرآن، وهذا كلُّه يُعْطِينَا مَوْقِفَ الكفَّار مِنَ القُرْآَنِ.
قوله: {إِلَّاالَّذِينَآَمَنُواوَعَمِلُواالصَّالِحَاتِلَهُمْأَجْرٌغَيْرُمَمْنُونٍ} :إلاَّ مَنْآَمَنَ بِقَلْبِهِ وَصَدَّقَ بِجَوَارِحِهِ، فَلَهُأَجْرٌ غَيْرُ مُنْقَطِعٍ.
سُمِّيَتْ بهذا الاسم، لأنَّها افْتُتِحَتْ بالقَسَمِ بالسَّمَاءِ وبروجِها - أي مَنَازِلَهَا - فأقسم بها مع السَّماء.
وهذه السُّورَةُ الجَلِيلَةُ والعَظِيمَةُ تتحدَّث عن عدَّة أُمُورٍ.