فهرس الكتاب
-فأوَّلًا: افْتُتِحَتِ السُّورَةُ الكريمةُ بالقَسَمِ بالسَّماء، وبروجها، وبيوم القيامة، وبكلِّ من صحَّأن يكون شاهدًا، وبكلِّ من صحَّأَنْ يَكُونَ مَشْهُودًا عليه، على لَعْنِأصحاب الأخدود، وأنَّ اللهَ حَكَمَ عليهم باللَّعْنِ.
ثمَّ تحدَّثت عن قِصَّةِأَصْحَابِ الأُخْدُودِ و هم قَوْمٌ آَمَنُوا بالله؛ فَأُحْرِقُوا بالنَّار.
والأخدود هو حُفْرَةٌ في الأرض، أضرموا فيها النِّيرانَ، وهدَّدوا مَنْآَمَنَ بالله بالإحراق إِنْ لم يَرْجِعْ إلى دِينِهِمْ.
وَفِيهَا تَسْلِيَةٌ لنبيِّنا مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - وَتَهْدِيدٌ للكفَّار، وأنَّ الابْتِلاءَ سُنَّةٌ مَاضِيَةٌ؛ لأنَّ كلَّ مَنْ آَمَنَ لابُدَّأَنْ يُبْتَلَى.
ثمَّ تَنَاوَلَتِ السُّورةُ الوَعِيدَ والإِنْذَارَ لأُولَئِكَ الفُجَّارِ على فَعْلَتِهِمْ.
إنَّ اللهَأَعَدَّ لهم عَذَابَ جَهَنَّمَ، وَعَذَابَ الحَرِيقِإِذَا لَمْ يَتُوبُوا، ثمَّ ذَكَرَ اللهُ جَزَاءَأوليائه المؤمنين، ثمَّ ذكر شدَّة بطشه، وأنَّه لايعجزه شَيْءٌ.
وهو مع ذلك غَفُورٌ وَدُودٌ متودِّدٌإلى عباده بِنِعَمِهِ، ثمَّ خَتَمَهَا بِذِكْرِ فِعْلِهِ وعقوبته بِمَنْأَشْرَكَ وكذَّب رُسُلَهُ.
وَخَصَّ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَثَمُود، َ ثمَّ وَصَفَ كلامَه بأنَّه مَجِيدٌ؛ لِعَظَمَتِهِ وَكَرَمِهِ وَكَثْرَةِ خَيْرِهِ، وَكَثْرَةُ خَيْرِ القُرْآَنِ لايَعْلَمُهَا إلاَّ مَنْ تكلَّم به.
قوله: {وَالسَّمَاءِذَاتِالْبُرُوجِ} :أَقْسَمَ اللهُ بالعَالَمِ العُلْوِيِّ، وما فيه من بُرُوجٍ، فَأَقْسَمَ بالسَّماء ومنازلِها، وَلَهُأَنْ يُقْسِمَ بما يشاء، وأقسم بها؛ لِمَا فيها مِنَ العِبْرَةِ والقوَّة، والدَّالَّةِ على عظمته وَقُدْرَتِهِ؛ فَهِيَ مِنْ آَيَاتِ الله العظيمة.
قوله: {ذَاتِالْبُرُوجِ} :أَيْ صَاحِبَةَ المَنَازِلِ أو الكَوَاكِبِ العَالِيَةِ.
والمُرَادُ بالبروج: مَنَازِلُ الشَّمْسِ، والقَمَرِ، والكواكب؛ فللشَّمْسِ اثنا عَشَرَ منزلًا، كلُّ مَنْزِلٍ تجري فيه شَهْرًا، وللقَمَرِ ثَمَانِيَةٌ وعشرون منزلًا.
فالبُرُوجُ هي المنازلُ السَّيَّارَةُ، وكلُّها دَالَّةٌ على عَظَمَةِ اللهِ وَقُدْرَتِهِ؛ فَكُلٌّ في فَلَكٍ يسبحون.
قوله: {وَالْيَوْمِالْمَوْعُودِ} : هو يَوْمُ القيامة، فَأَقْسَمَ بِأَعْظَمِ الأيَّام، وَأَجَلِّهَا قَدْرًا، الَّذي هو مَظْهَرُ مُلْكِهِ، وَأَمْرِهِ، وَنَهْيِهِ، وَثَوَابِهِ، وَعِقَابِهِ.
فَأَقْسَمَ اللهُ بالسَّماء وبروجها، وَأَقْسَمَ بِأَعْظَمِ الأيَّام، ثمَّ جَاءَ القَسَمُ الثَّالِثُ.
قوله: {وَشَاهِدٍوَمَشْهُودٍ} : أَكْثَرُ المفسِّرين أنَّ الشَّاهِدَ يَوْمُ الجُمُعَةِ يَشْهَدُ لصاحبه بما عمل فيه مِنْ خَيْرٍ.
{وَمَشْهُودٍ} يَوْمُ عَرَفَةَ، يَشْهَدُهُ المسلمون مِنْأَقْطَارِ الأرض.
وَقَدْ وَرَدَ في تفسير الشَّاهد سِتَّةَ عَشَرَ قَوْلًا.
و {مشهود} وَرَدَ فِيهِ اثْنَانِ وَثَلاثُونَ قَوْلًا.
والسَّبَبُ أنَّ القُرْآَنَ حَمَّالٌ وُجُوهًا، وهو خِلافُ تَنَوُّعٍ، لا تَضَادٍّ.
والَّذي يَظْهَرُ - واللهُأَعْلَمُ بِمُرَادِهِ مِنْ كلامه -أنَّ الشَّاهِدَ عَامٌّ في كلِّ مَنْ صَحَّأَنْ يَشْهَدَ عَلَى أَمْرٍ، وَ {مَشْهُودٌ} عَامٌّ في كلِّ مَنْ صَحَّأَنْ يُشْهَدَ عليه.
فَكُلُّ ما وَقَعَ عليه اسْمُ شَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ دَاخِلٌ في القَسَمِ.
والمعنى: أَقْسَمَ اللهُ بِكُلِّ مَنْ صَحَّأَنْ يَكُونَ شَاهِدًا، وَبِكُلِّ مَنْ صَحَّأَنْ يَكُونَ مَشْهُودًا عَلَيْهِ.
فَأَقْسَمَ - سُبْحَانَهُ - بِثَلاثَةِأَقْسَامٍ عَظِيمَةٍ، تَنَاوَلَتْ كُلَّ مَوْجُودٍ في الدُّنيا والآخرة على لَعْنِ أَصْحَابِ الأخدود، وأنَّه قد حَكَمَ عليهم باللَّعْنِ.
{قُتِلَأَصْحَابُالْأُخْدُودِ} : اخْتُلِفَ في معنى {قتل} هَلْ هُوَ خَبَرٌ أو دُعَاءٌ؟
قيل: «معنى قُتِلَ أَيْ: لُعِنَ أَصْحَابُ الأخدود» . وقيل: «قُتِلَ خَبَرٌ بِأَنَّهُ عُذِّبَ وَقُتِلَ أَصْحَابُ الأخدود» .
ومختصرُ قصَّة أصحاب الأخدود قَوْمٌ آَمَنُوا بالله، فأُحرقوا بالنَّار، والأخدود هو حفرةٌ في الأرض، أضرموا فيها النِّيرانَ، وهدَّدوا من آَمَنَ بالله بالإحراق إِنْ لَمْ يَرْجِعْ إلى دينهم.
فماذا حَصَلَ لهؤلاء الكفرة لعنهم الله؟
قوله: {النَّارِذَاتِالْوَقُودِ} : وَصْفٌ لها بأنَّها نَارٌ عَظِيمَةٌ، بسبب كَثْرَةِ حَطَبِهَا.