فهرس الكتاب

الصفحة 390 من 581

قوله: {إِذْهُمْعَلَيْهَاقُعُودٌ} :أَيْ حُضُورٌ؛ إنَّهم قُعُودٌ على حَافَّةِ الأخدود قُعُودٌ.

الجبَّارُ وَقَوْمُهُ جالسون على حفرة النَّار، يتشفُّون منهم وَقْتَ تَعْذِيبِهِمْ، وهذا من الجَبَرُوتِ والطُّغْيَانِأَنْ يَرَوُا النِّيرَانَ تَلْتَهِمُهُمْ ولا يُبَالُونَ، وَكَأَنَّهُمْ لا يَصْنَعُونَ جَرِيمَةً.

قوله: {وَمَانَقَمُوامِنْهُمْإِلَّاأَنْيُؤْمِنُوابِاللَّهِ} :وما أَنْكَرُوا عليهم، وعابوا عليهم إلاَّ الإيمانَ بالله.

وَهَلْ هَذَا عَيْبٌ؟ وهل هذا سَبَبٌ للنِّقْمَةِ؟

أَيْ: سَبَبُ عَذَابِهِمْ كَوْنُهُمْ آَمَنُوا بالله، وعذابُهم كان قاسيًا، وهو الإحراقُ بالنَّار.

قوله: {الْعَزِيزِالْحَمِيدِ} :ذَكَرَ الأوصافَ الَّتي يستحقُّ بها أن يُؤْمَنَ به سبحانه وتعالى؛ كَوْنَهُ عزيزًا يُخْشَى عِقَابُهُ، وَحَمِيدًا يُرْجَى ثَوَابُهُ.

فَهُوَ العَزِيزُ الَّذي لا يُغْلَبُ، والحَمِيدُ في أقواله، وأفعاله، وأوصافه؛ يُحْمَدُ على كلِّ حَالٍ في الخير والشَّرِّ، وله مُلْكُ السَّماوات والأرض.

فَلَهُ المُلْكُ التَّامُّ، ولا يشاركه أَحَدٌ خَلْقًا وَتَدْبِيرًا؛ فكلُّهم عَبِيدُهُ، وَلَنْ يَخْرُجُوا عن مُلْكِهِ، وهو مُطَّلِعٌ على كلِّ شَيْءٍ؛ فهو على كلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ، وَبِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ.

فَهُوَ أَحَقُّأَنْ يُعْبَدَ، وأحقُّأَنْ يُخْشَى، وَأَحَقُّأَنْ يُتَّقَى.

قوله: {إِنَّالَّذِينَفَتَنُواالْمُؤْمِنِينَوَالْمُؤْمِنَاتِ} :الفِتْنَةُ هي الامتحانُ؛ امتحنوهم بالنَّار؛ فعذَّبوهم وأحرقوهم، فهل يرجعون عن دينهم؟

وَمِنْ جُمْلَةِ النِّسَاءِ امرأةٌ مَعَهَا صَبِيٌّ، وكأنَّها تقهقرت، وتقاعست عن النَّار، فقال لها: يا أُمَّهِ اصْبِرِي؛ فإنَّك على الحقِّ.

قوله: {ثُمَّلَمْيَتُوبُوا} :أَخْبَرَ بأنَّه أَعَدَّ لهم عَذَابًا عَظِيمًاإذا لم يَتُوبُوا.

فَمَعَ قُبْحِ فِعْلِهِمْأعطاهمُ اللهُ فُرْصَةًأخرى للتَّوْبَةِ.

قال ابْنُ كَثِيرٍ: «انْظُرُوا إلى كَرَمِهِ وَجُودِهِ - سبحانه - قَتَلُوا أولياءَه، ويدعوهم إلى التَّوْبَةِ، وَطَلَبِ المَغْفِرَةِ» .

قوله: {فَلَهُمْعَذَابُجَهَنَّمَوَلَهُمْعَذَابُالْحَرِيقِ} : أَخْبَرَ - سُبْحَانَهُ - عمَّا أَعَدَّ لهم، وأنَّهُأَعَدَّ لهم عَذَابَيْنِ في الآخرة؛ لكفرهم ولفتنتهم، وصدِّهم عن سبيل الله، كما في قوله: {زِدْنَاهُمْعَذَابًافَوْقَالْعَذَابِ} بسبب الكفر والصَّدِّ.

وَشَتَّانَ بَيْنَ نَارِ الدُّنيا والآخرة؛ فَنَارُ الآخرة فَضَلَتْ على الأولى بِتِسْعٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا.

ولا يجري في هذا الكون شَيْءٌ عَبَثٌ، ولا يَفُوتُ شَيْءٌ، أعمالُ الكفَّار محفوظةٌ مهما خطَّطوا، ومهما بَغُوا؛ فأعمالُهم محفوظةٌ، وسيحاسبهم الله عليها.

وفيها أنَّ اللهَ قد يُسَلِّطُأَعْدَاءَهُ على أوليائه؛ استدراجًا لهم، وامتحانًا لأوليائه.

وقال ابنُ كَثِيرٍ: «قُبِضَتْأَرْوَاحُهُمْ قَبْلَأَنْ يَمَسَّهُمْ حَرُّهَا؛ فاللهُ لطيفٌ بعباده» .

فقد جاءت رِيحٌ فَقَبَضَتْ أَرْوَاحَ المسلمين، وَأَخْرَجَتِ النَّارَ من الأخدود، وَأَحْرَقَتْ مَنْ حَوْلَهَا من الكفَّار؛ فَمَنْ حَفَرَ حُفْرَةً وَقَعَ فيها.

هنا ذَكَرَ اللهُ جَزَاءَ المؤمنين الَّذين حُرِّقُوا؛ فللكفَّار عذابُ الحَرِيقِ وَعَذَابُ النَّار، وللمؤمنين جنَّاتٌ.

قوله: {إِنَّالَّذِينَآَمَنُواوَعَمِلُواالصَّالِحَاتِ} :أَخْبَرَ - سبحانه - عمَّا أعدَّه لأوليائه المؤمنينالَّذين آَمَنُوا، وصبروا على عذاب الحريق؛ فَلَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ.

وَوَصَفَ فَوْزَهُمْ بالفَوْزِ الكبير؛ لأنَّ الفَوْزَ الحقيقيَّ هو الفوزُ الأَبَدِيُّ؛ {فَمَنزُحْزِحَعَنِالنَّارِوَأُدْخِلَالْجَنَّةَفَقَدْفَازَ} فقد فازُوا عَقِبَ امْتِحَانٍوَابْتِلاءٍ عَظِيمٍ، والكفَّارُ خَسِرُوا وخابوا، وإن كانوا تَشَفَّوْا في وَقْتٍ مُحَدَّدٍ، لكنَّ خَسَارَتَهُمْ خَسَارَةٌأبديَّةٌ.

-ولنا وَقَفَاتٌ مُهِمَّةٌ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت