فهرس الكتاب
* الابتلاءُ سُنَّةٌ مَاضِيَةٌ؛ فكلَّ مَنْ آَمَنَ لابُدَّ أَنْ يُبْتَلَى، وَمِنْ ثَمَّ في قصَّة عبدالله بن الثَّامر قال له الرَّاهبُ: أَيْ بُنَيَّ أَنْتَ اليَوْمَ أَفْضَلُ مِنِّي؛ قد بَلَغَ مِنْ أَمْرِكَ ما أرى، وإنَّك سَتُبْتَلَى، فَإِنِ ابْتُلِيتَ فلا تَدُلَّ عليَّ.
ففي «مُسْنَدِأَحْمَدَ» عَنْ صُهَيْبٍ- رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أنَّ رَسُولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قَالَ: «كَانَ مَلِكٌ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ وَكَانَ لَهُ سَاحِرٌ، فَلَمَّا كَبُرَ السَّاحِرُ قَالَ: ادْفَعْ لِي غلامًا لِأُعَلِّمَهُ السِّحْرَ، فَدَفَعَ إِلَيْهِ غُلامًا.
وَكَانَ بَيْنَ السَّاحِرِ وَالمَلِكِ رَاهِبٌ، فَأَتَى الغُلامُ الرَّاهِبَ، فَسَمِعَ مِنْ كَلامِهِ فَأَعْجَبَهُ كَلامُهُ، وَفِي يَوْمٍ مِنَ الأَيَّامِ حَبَسَتِ النَّاسَ دَابَّةٌ فَقَالَ الغُلَامُ: اليَوْمَأَعْلَمُ أَمْرُ الرَّاهِبِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ أَمْ أَمْرُ السَّاحِرِ.
فَأَخَذَ حَجَرًا فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ أَمْرُ الرَّاهِبِ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ أَمْرِ السَّاحِرِ فَاقْتُلْ هَذِهِ الدَّابَّةَ. وَرَمَاهَا فَقَتَلَهَا.
وَمَضَى النَّاسُ، فَأُخْبِرَ الرَّاهِبُ بِذَلِكَ فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّ أَنْتَ اليَوْمَ أَفْضَلُ مِنِّي، وَإِنَّكَ سَتُبْتَلَى، فَإِنِ ابْتُلِيتَ فَلَا تَدُلَّ عَلَيَّ».
وَسَوْفَ تَرَى فِعْلًا أَنَّ الغُلامَ أَفْضَلُ مِنَ الرَّاهِبِ؛ لأنَّ اللهَ اسْتَجَابَ دَعْوَتَهُ، وَكَانَ نَفْعُهُ مُتَعَدِّيًا، وَالرَّاهِبُ نَفْعُهُ قَاصِرٌ عَلَى نَفْسِهِ، وَكَيْفَ يَسْعَى الغُلامُ فِي هِدَايَةِ النَّاسِ.
فكان الغلامُ يبرئ الأكمهَ والأبرصَ، ويداوي النَّاسَ من سائر الأمراض، وليس هو مِثْلَ عيسى - عليه السَّلامُ - وإنَّما كان مستجابَ الدَّعْوَةِ.
«وَكَانَ لِلمَلِكِ جَلِيسٌ فَعَمِيَ فَسَمِعَ بِهِ فَأَتَاهُ بِهَدَايَا كَثِيرَةٍ وَقَالَ: إِنْ أَنْتَ شَفَيْتَنِي فَكُلُّ مَا هَاهُنَا لَكَ.
فَقَالَ: أَنَا لَا أَشْفِي أَحَدًا، إِنَّمَا يَشْفِي اللهُ، فَإِنْ أَنْتَ آَمَنْتَ بِهِ، دَعَوْتُ اللهَ أَنْ يَشْفِيَكَ. فَآَمَنَ، فَدَعَا اللهَ لَهُ، فَشَفَاهُ.
ثُمَّ أَتَى المَلِكَ فَقَالَ: مَنْ رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ. فَقَالَ: رَبِّي. فَقَالَ: أَنَا. قَالَ: لَا، وَلَكِنْ رَبِّي وَرَبُّكَ اللهُ.
قَالَ: فَمَا زَالَ بِهِ يُعَذِّبُهُ حَتَّى دَلَّ عَلَى الغُلامِ، فَجِيءَ بِهِ، فَمَا زَالَ يُعَذِّبُهُ حَتَّى دَلَّ عَلَى الرَّاهِبِ، فَجِيءَ بالرَّاهِبِ فَقَالَ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ. فَأَبَى.
فَوَضَعَ المِنْشَارَ عَلَى مِفْرَقِ رَأْسِهِ حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ، وَقَالَ لِلأَعْمَى: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ. فَأَبَى، فَوَضَعَ المِنْشَارَ فِي مِفْرَقِ رَأْسِهِ حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ.
وَقَالَ لِلغُلامِ ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ. فَأَبَى. فَبَعَثَ به مَعَ نَفَرٍ فقال: إِذَا بَلَغْتُمْ ذُرْوَةَ الجَبَلِ فَإِنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ وَإِلاَّ فَدَهْدِهُوهُ.
فَذَهَبُوا بِهِ، فَلَمَّا صَعِدُوا الجَبَلَ، قَالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِمَا شِئْتَ. فَرَجَفَ بِهِمُ الجَبَلُ فَدُهْدِهُوا أَجْمَعُونَ.
وَرَجَعَ الغُلامُ إِلَى المَلِكِ، فَقَالَ: أَيْنَ أَصْحَابُكَ؟ فَقَالَ: كَفَانِيهِمُ اللهُ. فَبَعَثَهُ مَعَ نَفَرٍ فِي قَرْقُورَةٍ فَقَالَ: إِذَا تَوَسَّطْتُمُ البَحْرَ فَأَغْرِقُوهُ.
فَلَمَّا تَوَسَّطُوا بِهِ البَحْرَ، قَالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِمَا شِئْتَ. فَغَرِقُوا أَجْمَعُونَ، وَرَجَعَ الغُلامُ إلى المَلِكِ.
فَقَالَ: أَيْنَ أَصْحَابُكَ؟ فَقَالَ: كَفَانِيهِمُ اللهُ. ثُمَّ قَالَ لِلْمَلِكِ: إِنَّكَ لَسْتَ بِقَاتِلِي حَتَّى تَفْعَلَ مَا آَمُرُكَ بِهِ.
قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: تَجْمَعُ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ ثُمَّ تَصْلِبُنِي عَلَى جِذْعٍ ثُمَّ تَأْخُذُ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِي ثُمَّ قُلْ بِسْمِ اللهِ رَبِّ الغُلامِ.
فَفَعَلَ بِهِ، وَوَضَعَ السَّهْمَ فِي كَبِدِ القَوْسِ، ثُمَّ رَمَى وَقَالَ بِسْمِ اللهِ رَبِّ الغُلامِ، فَوَقَعَ السَّهْمُ فِي صَدْغِهِ، فَوَضَعَ الغُلامُ يَدَهُ عَلَى مَوْضِعِ السَّهْمِ فَمَاتَ.
فَقَالَ النَّاسُ: آَمَنَّا بِرَبِّ الغُلامِ».
فَذَلِكَ عِنْدَقَوْلِهِ: {قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ} فَخُدَّتِ الأَخَادِيدُ، وَأُضْرِمَتِ النِّيرَانُ، وَمَنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ، وَإِلاَّ أَقْحَمُوهُ فِيهَا.
وفيها التَّضْحِيَةُ بالنَّفس في سبيل نشر دين الله، وإسنادُ الفعل كلِّه لله؛ «إنَّما يشفي اللهُ» و رَفْضُ الدَّاعي إلى الله الأَجْرَ على عَمَلِهِ وَهِدَايَتِهِ.