فهرس الكتاب

الصفحة 405 من 581

هذا ما نَطَقَ به لسانُ الفطرة السَّليمة عند الأعرابيِّ عندما سُئِلَ، وقد سُئِلَ: ما الدَّليلُ على وجود الرَّبِّ تَعَالَى؟ فقال: يا سُبْحَانَ اللهِ! إنَّ البَعْرَةَ لَتَدُلُّ على البَعِيرِ، وَإِنَّ أَثَرَ الأَقْدَامِ لَتَدُلُّ على المَسِيرِ؛ فَسَمَاءٌ ذَاتُ أَبْرَاجٍ، وأرضٌ ذاتُ فِجَاجٍ، وَبِحَارٌ ذَاتُ أَمْوَاجٍ، ألا يَدُلُّ ذلك على وجودِ اللَّطيف الخبير؟

فهذه الموجوداتُ بما فيها من العَالَمِ العلويِّ والسُّفْلِيِّ، وما اشتملت عليه من الأشياء المحكمة، هل ليس لها صَانِعٌ؟ بل اللهُ وَحْدَهُ خَالِقُ كلِّ شَيْءٍ، فاعبدوه.

قوله: {فَذَكِّرْإِنَّمَاأَنْتَمُذَكِّرٌ} :أَمَرَ اللهُ رَسُولَهُ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ يُذَكِّرَ هؤلاء الكفرة وَيَعِظَهُمْ، وَبَيَّنَ لَهُمْ؛

{إِنَّمَاأَنْتَمُذَكِّرٌ} أَيْ: مُبَلِّغًا عن الله، والهدايةُوالقلوبُبِيَدِ الله.

قوله: {لَسْتَعَلَيْهِمْبِمُصيْطِرٍ} :أَيْ لَسْتَ بِمُتَسَلِّطٍ عليهم، ولا قاهرٍ لهم، حتَّى تجبرَهم أو تكرهَهم على الإيمان.

أو أنت غير مسئولٍ عن عدم اهتدائهم، وما أنت عليهم بجبَّارٍ؛ أي: أَنْ يُجْبِرَ القلوبَ على الهداية.

قوله: {إِلَّامَنْتَوَلَّاوَكَفَرَ} : «إلاَّ» بمعنى «لَكِنْ» ؛ لأنَّه اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ؛ لَكِنْ مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ فَيُعَذِّبُهُ اللهُ العَذَابَ الأَكْبَرَ؛ أَيْ: عَذَابَ النَّار.

فَعَذَابُ القَبْرِ هو العَذَابُ الأَدْنَى، أو عذابُ الدُّنيا، أمَّا عَذَابُ الآخرة فهو العَذَابُ الأَكْبَرُ.

قوله: {إِنَّإِلَيْنَاإِيَابَهُمْ} :أَيْ: رُجُوعَهُمْ.

قوله: {ثُمَّإِنَّعَلَيْنَاحِسَابَهُمْ} فعلى رسول الله البَلاغُ، والحسابُ عند الله؛ يُحَاسَبُ كُلُّ وَاحِدٍ على عَمَلِهِ، فَيُعْتِقَهُإيمانُه، أَوْ يُوبِقَهُ كُفْرُهُ وعصيانُه.

فاللهُ لا يُنَعِّمُ عبدًا بغير عملٍ، ولا يعذِّب أحدًا بغير ذنبٍ، فأَسَاسُ كلِّ خَيْرٍأَنْ تَعْلَمَأنَّك إلى الله صَائِرٌ، وَتَسْأَلَ عن هذه النَّفس وما أَنْفَقَتْأَيَّامُهَا وَلَيَالِيهَا؛ إمَّا في طَاعَةِ الله أَوْ مَعْصِيَتِهِ.

وَمَنْ عَلِمَأنَّه إلى الله صَائِرٌ؛ اسْتَعَدَّ للقاء الله؛ أَكْيَسُ النَّاس، أكثرُهم ذكرًا للموت، وأكثرُهم استعدادًا له.

تمَّت السُّورَةُ، ولله الحَمْدُ والمِنَّةُ.

سُمِّيت بذلك؛ لافتتاحها بذلك، والمرادُ بالفجر مُطْلَقُ الفَجْرِ.

وهذه السُّورَةُ الجَلِيلَةُ العظيمةُ تتحدَّثعن عدَّةأمورٍ:

أوَّلُهَا: افْتُتِحَتِ السُّورَةُ بالقَسَمِ بخمسة أشياء عظيمةٍ، وهي دالَّةٌ على عظمة الله وقدرته.

فَتَضَمَّنَ القَسَمُ المَنَاسِكَ، والصَّلوات ممَّا جاء به إبراهيمُ - عليه السلام - وَمُحَمَّدٌ - صلى الله عليه وسلم -، ثمَّ ذمَّ اللهُ من اغْتَرَّ بِقُوَّتِه، ِ وسلطانه، وماله، وتكبَّر عن عبادة ربِّه، وهمهؤلاء الأُمَمُ الثَّلاثةُ.

عَادٌ اغْتَرُّوا بقوَّتهم، وَثَمُودُ اغْتَرُّوابجنَّاتهم وحصونهم، وَفِرْعَوْنُ اغترَّ بِمَالِهِ وَسُلْطَانِهِ، فكان عقابُهم ما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العذاب ممَّا قَصَّ اللهُ علينا.

ثمَّ ذَكَرَ اللهُ - تعالى - سُنَّةً في ابتلاء العباد في هذه الحياة بالخير والشَّرِّ، والغِنَى والفقر، ثمَّ ذَكَرَ حَالَ الإنسان في معاملته لمن هو أَضْعَفُ منه؛ كاليتيم والمسكين، وَحِرْصِهِ على جَمْعِ المال.

ثمَّ ذَكَرَ اللهُالدَّارَ الآخرةَ، وَأَهْوَالَهَا، وشدائدَها، وانقسامَ النَّاس يَوْمَ القيامة إلى سُعَدَاءَ وَأَشْقِيَاءَ.

قوله: {وَالْفَجْرِ} :الوَاوُ وَاوُ القَسَمِ، وَأَقْسَمَ بالفجر، ولا يراد منه فَجْرٌ مُعَيَّنٌ على التَّحقيق؛ لأنَّ هناك مَنْ فَسَّرَ الفَجْرَ بِيَوْمِ النَّحْرِ، وَفَجْرِ يوم عرفة.

والصَّحِيحُأنَّ الفَجْرَ هو الصُّبْحُ؛ مُطْلَقُ الفَجْرِ؛ الفَجْرُ الَّذي خَلَقَهُ اللهُآَيَةً مِنْ آَيَاتِ الله يَفْصِلُ بين آَيَةِ اللَّيل وَآَيَةِ النَّهار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت