ثمَّ تأمَّل استواءها؛ فلا شُقُوقَ، ولا فُطُورَ، ولا أَمْتَ، ولا عِوَجَ.
ثمَّ تأمَّل هذا اللَّونَ الَّذي هو أحسنُ الألوان، وَأَشَدُّهَا مُوَافَقَةً للبصر، وتقويةً له؛ فَمَنْأُصِيبَ في بَصَرِهِ يُوصَى بالاطِّلاعِ على خُضْرَةٍ مملوءةٍ ماءً.
من تأمَّل هذه السَّماوات في ارتفاعها، واتِّساعها، وما فيها من الكواكب الكبار والصِّغار المنيرة من السَّيَّارة ومن الثَّوابت، وَشَاهَدَهَا كيف تدور مع الفَلَكِ العظيم في كلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ دويرةً، ولها في أنفسها سَيْرٌ، يخصُّها.
قوله: {وَإِلَاالْجِبَالِكَيْفَنُصِبَتْ} : فَخَلْقُهَا ومنافعُها من أكبر الشَّواهد على قُدْرَةِ بارئها، ودالَّةٌ على عِلْمِهِ، وَحِكْمَتِهِ، ووحدانيَّته، وهي تسبِّح، وتخشع، وتسجد، وتهبط من خشية الله.
خَلَقَ اللهُ سَلاسِلَ الجبال يظنُّها الجاهلُ فَضْلَةً لا حاجةَإليها، وفيها مِنَ المَنَافِعِ ما لا يُحْصِيهِ إلاَّ اللهُ.
وفي حديث ضمامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ حينما وَفَدَ على نبيِّنا - صلى الله عليه وسلم - فقال: «أَسْأَلُكَ بالَّذي نَصَبَ الجبالَ وَأَوْدَعَ فيها المنافعَأللهُأَمَرَكَ بهذا» رواه أحمد و النسائي.
نُصِبَتْ على الأرض مثبِّتةً لها؛ {أَنتَمِيدَبِكُمْ} وأوتادًا، وَرَوَاسِيَ، وهي من أعظم المخلوقات؛ تسقط عليها الثُّلوجُ، فتبقى في قِمَمِهَا، وتجيء منها السُّيُولُ والأَوْدِيَةُ والأَنْهَارُ.
وَمِنْ مَنَافِعِهَا أنَّ فيها مغاراتٍ، وكهوفًا، ومعاقلَ، وحصونًا، وأكنانًا للإنسان والحيوان، وفيها معادنُ، وَيُنْحَتُ منها أَحْجَارٌ.
وَمِنْ مَنَافِعِهَا تَرُدُّ الرِّياحَ والسُّيُولَ، وَمِنْ مَنَافِعِهَا أَعْلامٌ يُسْتَدَلُّ بها على الطُّرُقَاتِ، ومن منافعها الأَدْوِيَةُ والعقاقيرُ.
والجبالُ الموضوعةُ في الأرض لِتَقَرَّ، وَيَسْكُنَ سَاكِنُوهَا مع اختلاف أشكالها وألوانها.
قوله: {وَإِلَاالْأَرْضِكَيْفَسُطِحَتْ} :تَأَمَّلْ الأَرْضَ الَّتي يعيش عليها البَشَرُ كيف بُسِطَتْ وَمُهِّدَتْ، وكيف خَلَقَهَا اللهُ، وَجَعَلَهَا سَاكِنَةً غَيْرَ متحرِّكةٍ.
اللهُ الَّذي جعل لكم الأرض قرارًا. وقوله تعالى: {الَّذِيجَعَلَلَكُمُالْأَرْضَمَهْدًا} ؛جَعَلَهَا سَاكِنَةً غَيْرَ مُتَحَرِّكَةٍ؛ لتكون مستقرًّا للحيوان، والنَّبات، والنَّاس، ولو كانت متحرِّكةًفكيف يَهْنَؤونَ بالعَيْشِ عليها وهي تَرْتَجُّ مِنْ تَحْتِهِمْ.
في «جامع التِّرمذيِّ» عن أَنَسُ بْنِ مَالِكٍ عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَمَّا خَلَقَ اللهُ الأَرْضَ، جَعَلَتْ تَمِيدُ، فَخَلَقَ الجِبَالَ عَلَيْهَا، فَاسْتَقَرَّتْ، فَعَجِبَتِ المَلائِكَةُ مِنْ شِدَّةِ الجِبَالِ؛ قَالُوا: يَا رَبُّ هَلْ مِنْ خَلْقِكَ شَيْءٌ أَشَدُّ مِنَ الجِبَالِ؟
قَالَ: نَعَمْ، الحَدِيدُ. قَالُوا: يَا رَبُّ، فَهَلْ مِنْ خَلْقِكَ شَيْءٌ أَشَدُّ مِنَ الحَدِيدِ؟ قَالَ: نَعَمْ، النَّارُ. فَقَالُوا: يَا رَبُّ، فَهَلْ مِنْ خَلْقِكَ شَيْءٌ أَشَدُّ مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: نَعَمْ، المَاءُ. قَالُوا: يَا رَبُّ، فَهَلْ مِنْ خَلْقِكَ شَيْءٌ أَشَدُّ مِنَ المَاءِ؟ قَالَ: نَعَمْ، الرِّيحُ. قَالُوا: يَا رَبُّ، فَهَلْ مِنْ خَلْقِكَ شَيْءٌ أَشَدُّ مِنَ الرِّيحِ؟ قَالَ: نَعَمْ، ابْنُ آَدَمَ، تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ بِيَمِينِهِ يُخْفِيهَا مِنْ شِمَالِهِ».
وتأمَّل الحِكْمَةَ في لُيُونَةِ الأرض مع يُبْسِهَا؛ فَلَوْ كانت يَابِسَةً كيف يَزْرَعُونَ؟ ولو كانت لَيِّنَةً كيف يَبْنُونَ؟ فجاءت بتقدير بارئها على أحسن ما يكون من الاعتدال بين اللِّين واليُبُوسَةِ؛ فَتُهَيَّأَ عليها مَصَالِحُ الخَلْقِ.
هل هذه المخلوقاتُ العَظميَّة وتخصيصُ هذهالمخلوقات الأربعة باعتبار أنَّ هذا خِطَابٌ للعرب وَحَثٌّ لهم على الاستدلال؟
والمرءُ إنَّما يستدلُّ بما تَكْثُرُ مشاهدتُه له، والعربُ تكون في البوادي، ونظرُهم فيها إلى السَّماء والأرض، والجبال، والإبل.
فاللهُ خَالِقُ كلِّ شَيْءٍ، وَمَنْ خَلَقَ وَرَزَقَ؛ فهو يستحقُّ العبوديَّة؛ ففي الأثر: «أَخْلُقُ وَيَعْبُدُونَ غَيْرِي، وَأَرْزُقُ وَيَشْكُرُونَ غَيْرِي» .