قوله: {لِسَعْيِهَارَاضِيَةٌ} :أَيْ حَامِدَةً وَسَعِيدَةً؛ فَعَمَلُهَا لَهُ ثَمَرَةٌ، وَعَمَلُهَا مَقْبُولٌ، ولم يكونوا كالنفوسالعاملةالنَّاصبة، بل عَامِلَةٌ حَامِدَةٌ وَسَعِيدَةٌ؛ لِصِحَّةِإيمانهم، وَصِحَّةِ قَصْدِهِمْ، وَصِحَّةِ عَمَلِهِمْ؛ فوجوهُهم ناعمةٌ، ولأعمالها حامدةٌ؛ فالعِبْرَةُ بِصِحَّةِ العَمَلِ، لا بِكَثْرَةِ العَمَلِ.
قوله: {فِيجَنَّةٍعَالِيَةٍ} :أي مُرْتَفِعَةً؛ عُلُوَّ الصِّفات، والمكان، والدَّرجات؛ لأنَّ أَحْسَنَ الجنَّات ما كان في المرتفعات.
أَهْلُ الجنَّة في أعلى عِلِّيِّينَ، والكفَّارُ في أسفل سافلين؛ فالمَنَازِلُ مُرْتَفِعَةٌ، وَسَقْفُهَا عَرْشُ الرَّحمن.
قوله: {لَاتَسْمَعُفِيهَالَاغِيَةً} : أي لا تسمع كلامًا باطلًا، أو كلامًا لا فائدةَ فيه؛ فلا مَكَانَ فيها اللَّغْوِ؛ فكلامُهم طَيِّبٌ؛ السَّلامُ، والتَّسْبِيحُ؛ {وَهُدُواإِلَاالطَّيِّبِمِنَالْقَوْلِ} .
قوله: {فِيهَاعَيْنٌجَارِيَةٌ} : {عَيْنٌ} جِنْسٌ يَشْمَلُ عُيُونًا كثيرةً ومتنوِّعةً؛ الطُّعُومَ، والرَّوَائِحَ، عُيُونٌ جَارِيَةٌ لا تنقطع، ولا تَنْضَبُ .. هذا شَرَابُهُمْ.
ثمَّ ذَكَرَ مجالسَهم في الجنَّة.
قوله: {فِيهَاسُرُرٌمَرْفُوعَةٌ} : هي تتواضع لأصحابها؛ فإذا صعدوا عليها، ارْتَفَعَتْ.
السُّرُرُ مرتفعةٌ، وليستمنخفضةً؛ مِنْ أَجْلِ التَّنَعُّمِ؛ فيرتفعون عليها، ويَتَّسِمُونَ بها؛ ليتمكَّن أَهْلُهَا من النَّظر إلى نعيم الجنَّة.
قوله: {وَأَكْوَابٌمَوْضُوعَةٌ} :أوانٍ للشَّراب وُضِعَتْ للشُّرْبِ على أَطْرَافِ العيون، مُعَدَّةٌ لشربهم.
قوله: {وَنَمَارِقُمَصْفُوفَةٌ} :أَيْ وَسَائِدَ وَمِخَدَّاتٍ صُفَّتْ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ يُسْتَنَدُ عليها.
قوله: {وَزَرَابِيُّمَبْثُوثَةٌ} :أي بُسُطًا فَاخِرَةً مبسوطةً في أَنْحَاءِ الجنَّة في كلِّ مكانٍ مُهَيَّأٍ للجلوس؛ تكريمًا لسكَّان الجنَّة.
هذا ثَوَابُ وَجَزَاءُ السُّعَدَاءِ بسبب إيمانهم وَسَعْيِهِمُ الصَّالِحِ في الدُّنيا.
ثمَّ نَبَّهَ اللهُ على آياته الكونيَّة الدَّالَّة على عظمته وقدرته، وهي الَّتي بَيْنَ يَدَيِ العَرَبِخاصة، وآياتُ كثيرةٌ.
قوله: {أَفَلَايَنْظُرُونَإِلَاالْإِبِلِكَيْفَخُلِقَتْ} ذَكَرَ الإِبِلَ؛ لأنَّها أَقْوَى الأَنْعَامِ، وَأَفْضَلُ دَوَابِّ العَرَبِ، وأكثرُ استعمالًا لها، وفيها عِبْرَةٌ، وأمرنا بالنَّظر إليها نَظَرَ اعْتِبَارٍ؛ كيف خَلَقَهَا اللهُ خَلْقًا عَجِيبًا.
فهي من آيات الله الدَّالَّة على قدرته؛ لأنَّ الخَلْقَ دَلِيلٌ على قدرة الله العظيم وعظمته.
فالإبلُ ذَاتُ الخَلْقِ العجيب في خَلْقِهَا، وقوَّتِهَا، وَصَبْرِهَا، وَمَنَافِعِهَا؛ فَمِنْ نَاحِيَةِ الخَلْقِ في خُفِّهَا، وَسَنَامِهَا، وَأَنْفِهَا؛ فمعجزةٌ في الخَلْقِ.
لَوْ كان خُفُّ الجَمَلِ مِثْلَ حَافِرِ الحِمَارِلكان غاصًّا في الرِّمال، ولكنَّ الخُفَّ يُفْرَدُ على الرَّمل، وَشَفَتُهُ مشقوقةٌ، فجعلها ترعى كلَّ نَابِتٍ في البراري، حتَّى الأشواك.
أَنْفُهُ يَنْغَلِقُأَمَامَ العَوَاصِفِ الرَّمْلِيَّةِ، وو كذلك الجُفُونُ ذات الأهداب الطويلة، وَسَنَامُهُ يَخْتَزِنُ الدُّهْنَ، ويكفيه عن الطَّعام والشَّراب إلى سَبْعَةِأَيَّامٍ مَعَ بَذْلِ الجهد.
كيف سخَّرها اللهُ مع ضخامتها وقوَّتها، ومع ذلك تنقاد للطِّفل الصَّغير؟!
أيضًا تُنَاخُ عند الحمل عليها، ولا تمتنع بطلب صاحبها، ثمَّ يقوم بما تحمله.
وفيها منافعُ كَثِيرَةٌ من الرُّكوب، والحمل عليها، وَأَكْلِ لحومها، وَشُرْبِ لَبَنِهَا؛ فحليبُها ولبنُها غذاءٌ كاملٌ، وصبرُها على العطش والجوع الأيَّامَ المعدودةَ، وَتَقْطَعُ المَسَافَاتِ البَعِيدَةَ والطَّوِيلَةَ.
قوله: {وَإِلَاالسَّمَاءِكَيْفَرُفِعَتْ} : النَّظَرُ إلى السَّمَاءِ البَدِيعَةِ المُحْكَمَةِ؛ كيف رُفِعَتْ عن الأرض بلا عَمَدٍ ولا دَعَائِمَ؛ فَرَفَعَ بُنْيَانَهَا، وَأَعْلَى سُمْكَهَا؛ فارتفاعها بَعِيدٌ جدًّا.
خَلْقُ السَّماء مِنْ أعظم الآياتفي علوِّها، وارتفاعها، وَسَعَتِهَا، وقرارها؛ فلا عَمَدَ تَحْتَهَا، ولا عُلّاقةَ فَوْقَهَا، بل هي مُمْسَكَةٌ بقدرة الله الَّذي يمسك السَّماواتِ والأرضَأن تزولا.