-وثانيًا: يتحقق إذا آَمَنَ باليوم الآَخِرِإيمانًا كاملًا وتامًّا، الإيمانَ باليوم الآخر تفصيلًا، لا مُجَرَّدَ معرفةٍ سَطْحِيَّةٍ، فَسَحَرَةُ فرعون لمَّا آمنوا بالله، وباليوم الآخر هَانَتْ عليهم الدُّنيا، وهانت عليهم أنفسُهم.
قوله: {تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً} : تدخل نارًا قد أُحْمِيَتْ مُدَدًا طويلةً؛ فلا حَرَّ يَعْدِلُ حَرَّها، ثمَّ ذَكَرَ اللهُ طعامَهم وشرابَهم.
قوله: {تُسْقَامِنْعَيْنٍآَنِيَةٍ} :يشربون من عينٍ آَنِيَةٍ متناهيةٍ في الحرارة، وَصَلَ حرُّها وغليانُها دَرَجَةَ النِّهاية؛ مِنْ عَيْنٍ شَدِيدَةِ الحرارة؛ لأنَّهم ليس لهم إلاَّ هذا الشَّرَابُ، فيضطرون إلى شُرْبِهِ مِنْ شِدَّةِ الظَّمأ.
وشرابُأَهْلِ النَّار أَنْوَاعٌ؛ منه الصَّديدُ يَخْرُجُ مِنْأَجْسَامِ المعذَّبين، يُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ يتجرَّعه ولا يكاد يُسِيغُهُ، وَيُسْقَى أيضًا مِنْ عَيْنٍآَنِيَةٍ؛ أَيْ: شَدِيدَةَ الحرارة.
قوله: {لَيْسَلَهُمْطَعَامٌإِلَّامِنْضَرِيعٍ} :الضَّرِيعُ قَالَ قَتَادَةُ: «شَرُّ طعامٍ وَأَخْبَثُهُ وَأَشْنَعُهُ» .
وطعامُأَهْلِ النَّار أَنْوَاعٌ؛ فمنهم أَكَلَةُ الزَّقُّومِ، ومنهم أَكَلَةُ الغِسْلِينَ، ومنهم أَكَلَةُ الضَّريعِ.
وَشَجَرَةُ الزَّقُّومِ طعامُ الأَثِيمِ تَنْبُتُ في قعر جهنَّم، وهي شجرةٌ ملعونةٌ، وَثَمَرُهَا كَرِيهُ المنظر، وطعمُها مُرٌّ وَمُنْتِنٌ، وفي منتهى الحرارة.
والغِسْلِينُ غُسَالَةُأَهْلِ النَّار، والضَّرِيعُ نَوْعٌ من الشَّجر لا يَنْفَعُ، نَبْتٌ ذو شَوْكٍ لاصِقٌ بالأرض، وهو من شَرِّ الطَّعَامِ وَأَخْبَثِهِ، لا يَجْلِبُ نفعًا، ولا يَدْفَعُ ضَرَرَ الجُوعِ.
وهو الطَّعامُ ذو غُصَّةٍ شَوْكٍ مِنْ نَارٍ، أو طَعَامٌ كَرِيهٌ يَنْشُبُ بالحَلْقِ، لا يدخل ولا يخرج، ويغصُّون به؛ لِخُبْثِهِ، وَقُبْحِهِ، وفساده، فيذكرون أنَّهم كانوا في الدُّنيا يَدْفَعُونَ الغُصَصَ بالماء، فيستغيثون بالشَّراب، فَيُرْفَعُ لهم الحَمِيمُ بالكلاليب، فإذا دنا من وجوههم شَوَاهَا.
يُسَلَّطُ عَلَيْهِمُ الجُوعُ حَتَّى يَكُونَأَشَدَّ عليهم من عذاب النَّار، فيضطرون إلى الأَكْلِ من الضَّرِيعِ.
لا يُسْمِنُ البَدَنُ، ولا يُدْفَعُ الجُوعُ، فيأكلون وكأنَّهم لا يأكلون، ولا يفيدهم شيئًا، هذا عذابُهم، وشرابُهم، وطعامُهم، نَعُوذُ بالله مِنْ سَخَطِهِ وَعَذَابِهِ.
فحياةُ الكفَّارِ تَعِيسَةٌ وَشَقِيَّةٌ؛ بِسَبَبِ الكفر، والشِّرك، والمعاصي.
-فائدةٌ: قد يَقُولُ قَائِلٌ: لماذا يعذِّبهم اللهُ عذابًا لا يُطاقُ؟ ألا يَرْحَمُهُمُ؟
اللهُ عالمٌ بحال الإنسان، يقول اللهُ تعالى: {وَلَوْرُدُّوالَعَادُوالِمَانُهُواعَنْهُ} ؛ فلو ردَّهم لا يؤمنون؛ لأنَّه عَلِمَ حَقِيقَةَأَمْرِهِمْ؛ لا يؤمنون إلاَّ عند الشِّدَّةِ، كما حَصَلَ لِبَنِي إسرائيل؛ نَتَقَ الجَبَلَ فَوْقَهُمْ كأنَّه ظُلَّةٌ؛ فسجدوا، فلمَّا رُفِعَ، رَجَعُوا إلى معاصيهم.
الإنسانُ إذا نَزَلَ به مَرَضٌ، تَابَ وَأَنَابَ، فإذا شفاه اللهُ، رَجَعَ إلى غَيِّهِ، إذا هبطوا من الطَّائرة، وبعد كثرةِ الدُّعاء والتَّسبيح، فلمَّا نجَّاهم إلى البرِّ إذا هم يشركون.
وهناك من يعبد الله لحاجته، فإذا انتهى الأمرُ لا صلَّى ولا صام.
إذا هَبَطَ مِنَ الجَبَلِ وَأَحَسَّ بالخوف، تعلَّق قلبُه بالله، فلمَّا بلغ الأمانَ {مَرَّكَأَنلَّمْيَدْعُنَاإِلَاضُرٍّمَّسَّهُ} .
إذا خرجوا من الوَرْطَةِ، انقطع التَّسْبِيحُ والدُّعَاءُ، والمُفْتَرَضُ فيه أَنْ يعترف بالنِّعمة، ويتضاعف العمل.
لماذا أَكْثَرَنبيُّنا - صلى الله عليه وسلم - من الصَّلاة؟ قال: «أَفَلا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا» متفق عليه. ثمَّ ذَكَرَ اللهُ حَالَ السُّعَدَاءِ في الجنَّة، وَحَيَاةُ المُؤْمِنِ سَعِيدَةٌ في الجنَّة؛ بسبب الإيمان والتَّوحيد والعمل الصَّالح؛ لأنَّ الأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ تُؤَهِّلُ العَبْدَ لرحمة الله.
قوله: {وُجُوهٌيَوْمَئِذٍنَاعِمَةٌ} :نُعُومَةُ الوَجْهِ مِنْآَثَارِ السَّعَادَةِ؛ ففيها بَهْجَةٌ وَسُرُورٌ؛ لما عِنْدَهُمْ من النَّعيم والسُّرور؛ فَوُجُوهُهُمْ نَاعِمَةٌ من النَّعيم، لَيْسَتْ كَالِحَةً، أو شاحبةً، أَوْ عَابِسَةً، تُعْرَفُ في وجوههم نَضْرَةُ النَّعيم.