-فَائِدَةٌ جَلِيَّةٌ: هِيَأنَّ النَّاسَ يهتمُّون بالأعمال الظَّاهرة، وَيَنْسَوْنَ ذنوبَ الباطن، وهي تُفْسِدُ الأعمالَ.
مِنْ أَعْظَمِ ما يحبط الأعمالَ الرِّيَاءُ؛ {وَهُمْيَحْسَبُونَأَنَّهُمْيُحْسِنُونَصُنْعًا} ؛ لأنَّهم اهتمُّوا بالظَّاهر، وَنَسُوا البَاطِنَ.
تَصَوَّرُوا أناسًا قِمَمًا، فتح اللهُ لهم أعمالًا جَلِيلَةً، منهم العالمُ ظَنَّأنَّه تعلَّم العلم وعلَّمه، وأهملوا النِّيَّةَ والهدفَ من العلم، فهلكوا.
وهناك من تصدَّق بالأموال، وبنى المساجد، وأنفق الأموال الطَّائلة في الخير، ولكنَّه غَفَلَعمَّاأراد بها؛ فلم تَكُنْ لله، فَخَسِرُوا.
لا إلهَ إلاَّ اللهُ! ما أصعب الإخلاصَ على النَّفس! يَهُونُ عليها أَنْ تَمُوتَ، ويهون عليها أن تُنْفِقَ الأَمْوَالَ مع حبِّه، ويهون عليها أَنْ تُمْضِيَ الأَوْقَاتَ، وَتَحْبِسَ نَفْسَهَا على طلب العلم وتعليمه، ولكن يصعب عليها إخلاصُه لله.
انظروا إلى النِّيَّةُ الصَّالحة كيف تَجْعَلُ الواجب الَّذي تفعله قربى؟
ففي «البخاريِّ» عن سَعْدٍ قال: «إنَّك لن تُنْفِقَ نَفَقَةً تبتغي بها وَجْهَ الله إلاَّ أُجِرْتَ عليها، حتَّى ما تَجْعَلُ في فَمِ امْرَأَتِكَ» .
كلُّ شَيْءٍ تَفْعَلُهُ سَلْ نَفْسَكَ ماذا أَرَدْتَ به؟
إنَّ مَعْصِيَةَ العَالِمِ، والعَابِدِ المُرَائِي أَشَدُّ مِنَ الزَّاني، والسَّارق، وشارب الخمر؛ لأنَّ الرِّيَاءَ شِرْكٌ وَخَلَلٌ في العقيدة.
والزِّنا والمعاصي شَهْوَةٌ وَخَلَلٌ في الأعمال الظَّاهرة؛ لذلك أوَّلُ من تُسَعَّرُ بهم النَّارُ الثَّلاثَةُ؛ العَالِمُ، والمُتَصَدِّقُ، والمُجَاهِدُ.
دَعْوَةٌ شَرْقًا وَغَرْبًا ما الغَرَضُ مِنْهَا؟ هل يريد اللهَ؟ فَأَبْشِرْ بالخَيْرِ؛ لأنَّ العِلْمَ والدَّعْوَةَ شهوةٌ، فماذا أَرَدْتَ بها؟
إبليسُ كان عابدًا، لَكِنْ جَرِيمَتُهُ بِقَلْبِهِ؛ إنه الكِبْرُ، والكِبْرُ هَلَاكٌ، وَأَعْظَمُهُ التَّكَبُّرُ على الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، والكِبْرُ هو بَطَرُ الحَقِّـ وَعَدَمُ قبولِه، وَغَمْطُ النَّاس.
وما أكثر النَّاس الذين لا يقبلون الحقَّ! لأنَّ النَّفْسَ تُحِبُّأن تَعْلُوَ على غيرها؛ فالنَّفْسَ صَاحِبَةُ هوًى، وأعظمُ الهوى حبُّ الظُّهور والبروز.
وَمِنْ ذُنُوبِ الباطن الحَسَدُ؛ ففي الحديث: «دَبَّإِلَيْكُمْ دَاءُ الأُمَمِ قَبْلَكُمْ؛ الحَسَدُ وَالبَغْضَاءُ» . رواه أحمد و الترمذي. وَأَقْرَبُ مِثَالٍ ابْنَا آَدَمَ وَإِخْوَةُ يُوسُفَ.
والحَسَدُ يَحْمِلُ صاحبَه على ارتكاب أعظم الجرائم، ومن ذنوب الباطن.
وَيُفْسِدُ العَمَلَ العُجْبُ؛ فَفِي الحديث: «لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا، لخفت عَلَيْكُمْ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ العُجْبُ» أخرجه المنذري و البزار. يُعْجَبُ بِقَوْلِهِ أَوْ بِعَمَلِهِ، وهو من المهلكات.
وإعجابُ المَرْءِ بِنَفْسِهِ، وإعجابُه بِرَأْيِهِ مَهْلَكَةٌ؛ فتراه معجبًا بنفسه، دائمًا يذكر نفسَه؛ «أنا قُلْتُ، أنا فَعَلْتُ» .
وعلَّق الإمامُ الغَزَالِيُّ على إعجابِ المَرْءِ بِقَوْلِهِ: «ظُهُورُ الغُرُورِ في آَخِرِ الزَّمان» .
وَمِنْهَا إصلاحُ السَّرَائِرِأَمَامَ النَّاس، وحينما يَخْلُو بربِّه يبارزه بالعظائم، فما على الإنسان إلاَّأَنْ يتفقَّد نفسَه كلَّ حِينٍ، وكثيرٌ من النَّاس يغفلون عن هذه الأمراض، والنَّجاةُ من هذه الأمراض دائمًا يَقْرِنُ اللهُ بين الإيمان والعمل الصَّالح.
-متى يتحقَّق الإخلاصُ؟
-أَوَّلًا: يتحقق بِمُرَاقَبَةِ الله والخوف منه؛ لأنَّه مُطَّلِعٌ على الضَّمائر، فَمَنْ عَلِمَأنَّ اللهَ مُطَّلِعٌ عليه في أقواله وأفعاله، حَجَبَهُ عن المعاصي.
وإذا كَثُرَتِ الذُّنوبُ، حَجَبَتْ عَظَمَةَ الله عن قلبه. تقول للرَّجل: اتَّقِ اللهَ، فيمرَّ وكأنَّه لا يسمع شيئًا.