قوله: {وَالْأَمْرُيَوْمَئِذٍلِلَّهِ} :أي لا أَمْرَ إلاَّ لله -تعالى- وَحْدَهُ؛ فهو القاضي فيه دُونَ غَيْرِهِ.
سُمِّيت بذلك؛ لأَنْ ذُكِرَ في فاتحتها تَهْدِيدُ المطفِّفين.
والتَّطْفِيفُ هو التَّنْقِيصُ والبَخْسُ، وَيَدْخُلُ في كلِّ شَيْءٍ، ولكنَّه ظَاهِرٌ في الكَيْلِ والمِيزَانِ.
فَفِي الحَدِيثِ: «التُّجَّارُ يُبْعَثُونَ فُجَّارًا إلاَّ مَنْ بَرَّ وَاتَّقَى» رواهالترمذيوقالحديثحسنصحيح، ورواهابنحبانفي صحيحه، والحاكم، وقالصحيحإلاسناد.
والتَّطْفِيفُ ظُلْمٌ وَغِشٌّ وَخِيَانَةٌ، وَأَكْلٌ لأَمْوَالِ النَّاسِ بالباطل، ولا يَجُوزُ.
فَكَيْفَ تَصْطَلِحُ أُمَّةٌ عَلَى الغِشِّ؟ واللهِ لَوْ حَقَّقْنَا الإسلامَ، لَحَصَلَ بيننا تَحَابٌّ، وَتَآَلُفٌ، وَتَنَاصُحٌ، وَإِيثَارٌ، ولا يُنْجِي من هذه الرَّزايا إلاَّ الصِّدْقُ، وَ أن تُحِبَّ لأَخِيكَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ.
يَذْكُرُأبو هُرَيْرَةَ - رضي اللهُ عنه -أنَّ هذه الآياتِ نَزَلَتْ في رَجُلٍ يُعْرَفُ بأبي جُهَيْنَةَ كان له صَاعَانِ يَأْخُذُ بأحدهما وَيُعْطِي بالآخر.
فهذا الرَّجُلُ لَدَيْهِ صَاعٌ كَبِيرٌ؛ فإذا اشْتَرَى، كَالَ بِهِ، وَلَدَيْهِ صَاعٌ صَغِيرٌ يَسْتَخْدِمُهُ حِينَ يَبِيعُ على النَّاس، وهذه صُورَةٌ مُقَزِّزَةٌ جِدًّا، كما يُقَالُ: يَكِيلُ بِمِكْيَالَيْنِ، إِنْسَانٌ غَشَّاشٌأَنَانِيٌّ، فَجَاءَ الإسلامُ وَعَالَجَ هذه القضيَّة.
هذه السُّورةُ الجَلِيلَةُ العَظِيمَةُ تتحدَّث عن عِدَّةِأُمُورٍ.
-فأوَّلًا: ابْتَدَأَتِ السُّورَةُ الكريمةُ بِإِعْلانِ الحَرْبِ على المطفِّفين في الكيل والوزن، فيبخسون النَّاسَ حقوقَهم.
وهذا فيه دَنَاءَةٌ وَخِيَانَةٌ وَغِشٌّ، ويدخل في التَّطفيف بَخْسُ النَّاس حُقُوقَهُمْ في كلِّ شَيْءٍ.
ثمَّخَوَّفَ اللهُ المطفِّفين بالبَعْثِ والحساب، وأنَّه يَجِبُ عليهم التَّوْبَةُ قَبْلَ فَوَاتِ الأَوَانِ.
ثمَّ تحدَّثت عن الأشقياء الفجَّار، وصوَّرت جزاءَهم يوم القيامة، حيث يُسَاقُونَ إلى الجحيم.
ثمَّذَكَرَ اللهُ حُسْنَ عاقبة المتَّقين الأَبْرَارِ، وما لهم من النَّعِيمِ الخالد الدَّائم في دار العزَّة والكرامة.
وَخُتِمَتِ السُّورَةُ بموقف الفجَّار من الكفرة، والمنافقين، والفَسَقَةِ من المؤمنين بِبَيَانِ عقوبة من يستهزئ بالمؤمنين في الدُّنيا والآخرة.
قوله: {وَيْلٌلِلْمُطَفِّفِينَ} : {وَيْلٌ} كَلِمَةُ عَذَابٍ وَتَوَعُّدٍ بالعقوبة والهلاك، أو وادٍ في جَهَنَّمَ.
و {وَيْلٌ} تكرَّرت في القرآن؛ {فَوَيْلٌلِّلْمُصَلِّينَ} ، و {وَيْلٌلِّكُلِّهُمَزَةٍلُّمَزَةٍ} ، و {وَيْلٌلِلْمُطَفِّفِينَ} .
ما جنايةُ المصلِّين؟ سَاهُونَ، يُؤَخِّرُونَ الصَّلاةَ عن وقتها، وَوَيْلٌ لِمَنْ يَسْخَرُ ويستهزئ بالنَّاس، وويلٌ لمن يغشُّ.
بَدَأَتِ السُّورةُ بإعلان الحرب؛ {وَيْلٌ} تَهْدِيدٌ بِعَذَابٍ شَدِيدٍ؛ لأنَّ الأَمْوَالَ مُتَرَسِّخَةٌ في نفس الإنسان، ولن يَتْرُكَهَا إلاَّ إذا عَلِمَأنَّه سيهلك، فَلَهُمْ عُقُوبَةٌ في الدُّنيا، ولهم عُقُوبَةٌ في الآخرة، فَفِي الدُّنيا: «وَلا يَكْسَبُ عَبْدٌ مَالًا مِنْ حَرَامٍ فَيُنْفِقَ مِنْهُ فَيُبَارَكَ لَهُ فِيهِ، وَلا يَتَصَدَّقُ بِهِ فَيُقْبَلَ مِنْهُ، وَلا يَتْرُكُهُ خَلْفَ ظَهْرِهِ إِلاَّ كَانَ زَادَهُإِلَى النَّارِ» رواه أحمد و ضعفه الألباني في ضعيف الجامع و صححه أحمد شاكر.