فهرس الكتاب

الصفحة 378 من 581

{مَاغَرَّكَبِرَبِّكَالْكَرِيمِ} : أَيْ: شَيْءٌ ما خَدَعَكَ، وَصَرَفَكَ، وَأَنْسَاكَ رَبَّكَ، حتَّى كَفَرْتَ وَمَا شَكَرْتَ، وَعَصَيْتَ وما أَطَعْتَ ربَّك.

قوله: {الَّذِيخَلَقَكَ} : ذَكَرَ اللهُ له نِعْمَه عليه في خَلْقِهِ، وَتَسْوِيَتِهِ، وتعديل صورته.

قوله: {خَلَقَكَ} أَيْ: أَوْجَدَكَ من العَدَمِ؛ فلا خَالِقَ إلاَّ اللهُ.

قوله: {فَسَوَّاكَ} : أَيْ جَعَلَكَ بَشَرًا سويًّا، سَوَّاكَ؛ أَيْ: جَعَلَكَ كَامِلَ الأَعْضَاءِ.

قوله: {فَعَدَلَكَ} : أَيْ عَدَلَ خِلْقَتَكَ، فجعلك معتدلًا، تَقُومُ وَتَمْشِي.

{فِيأَيِّصُورَةٍمَاشَاءَرَكَّبَكَ} : أي الصُّوَرَ المشكَّلة؛ طَوِيلٌ قَصِيرٌ، صَحِيحٌ مَرِيضٌ، تَامُّ الخِلْقَةِ نَاقِصٌ، وكلُّه دَلِيلٌ على قُدْرَةِ الخالق.

انظروا إلى أَصْلِ بَنِي آَدَمَ؛ فهو أصل وَاحِدٌ مِنْآَدَمَ وَحَوَّاءَ، لَكِنْ فَاوَتَ اللهُ بَيْنَهُمْ في العقول، وفي الصُّوَرِ، وفي الأَلْسِنَةِ، والألوان.

-الموقف الرَّابعُ: سَبَبُ اغْتِرَارِ الإنسان بربِّه: هو تَكْذِيبُهُ بِيَوْمِ الدِّين.

قوله: {كَلَّابَلْتُكَذِّبُونَبِالدِّينِ} :بَيَّنَ اللهُأنَّ الَّذي غَرَّ الإِنْسَانَ، وَخَدَعَهُ، وَصَرَفَهُ، وَأَنْسَاهُ رَبَّهُ، هو إِنْكَارُ يَوْمِ الدِّين.

وقد ذَكَرَ اللهُ في عِدَّةِ آَيَاتٍ سَبَبَ الكفر والمعاصي، وأنَّه بِسَبَبِ عَدَمِ الإيمان باليوم الآخر؛ {كَلَّا بَللَّايَخَافُونَالْآخِرَةَ} ، {وَإِنَّهَالَكَبِيرَةٌإِلَّاعَلَاالْخَاشِعِينَ} فالصَّلاةُ صَعْبَةٌ وشاقَّةٌ إلاَّ على الخَاشِعِينَ، اسْتَثْنَى الخاشعَ، وَبَيَّنَ بَعْدَهَا سَبَبَ سُهُولَةِ الصَّلاة على الخاشع، عَلَّلَ ذلك بقوله: {الَّذِينَيَظُنُّونَأَنَّهُممُّلَاقُورَبِّهِمْوَأَنَّهُمْإِلَيْهِرَاجِعُونَ} ، {قُلْإِنِّيأَخَافُإِنْعَصَيْتُرَبِّيعَذَابَيَوْمٍعَظِيمٍ} حتَّى عُصَاةِ الموحِّدين؛ كلُّ مَنْ ضَعُفَإِيمَانُهُ بالموت وما بَعْدَهُ، تجرَّأ على الله وعلى المعاصي.

-الموقفُ الخامسُ: لم يَتْرُكِ اللهُ الإِنْسَانَ سُدًى، بل بَيَّنَ اللهُ لنا أنَّه لم يَخْلُقْنَا عَبَثًا، بل أَنْزَلَ لنا كُتُبًا، وَأَرْسَلَ لَنَا رُسُلًا، وَبَيَّنَ لنا طريقَ الخير لِنَسْلُكَهُ، وَبَيَّنَ لنا طَرِيقَ الشَّرِّ لِنَتْرُكَهُ.

وَوَكَّلَ بنا كِرامًا كاتبين. كلُّ قَوْلٍ قُلْنَاهُ يكتبونه، وَكُلُّ عَمَلٍ عَمِلْنَاهُ يَكْتُبُونَهُ؛ {بَلَاوَرُسُلُنَالَدَيْهِمْيَكْتُبُونَ} .

قوله: {كِرَامًاكَاتِبِينَ} :كِرَامًا على الله، وعلى عِبَادِهِ المؤمنين، وينبغى الحَيَاءُ منهم؛ فَهُنَاكَ مَنْ لا يستحيي منهم، وهم مَلائِكَةٌ يَحْفَظُونَهُ وَيَضْبِطُونَهُ.

قوله: {يَعْلَمُونَمَاتَفْعَلُونَ} :أي لا يَخْفَى عَلَيْهِمْ شَيْءٌ.

قوله: {إِنَّالْأَبْرَارَلَفِينَعِيمٍ} :البِرُّ ضِدُّ الإثم، وَلَكِنَّ البِرَّ مَنِ اتَّقى.

الأَبْرَارُ في نَعِيمٍ دَائِمٍ، وَيَكُونُ النَّعِيمُ في القلب، وهو انْشِرَاحٌ وَطِيبُ نَفْسٍ بِسَبَبِ الطَّاعات.

وهؤلاء الأَبْرَارُ لهم نَعِيمٌ في الدُّنيا، وَنَعِيمٌ في القَبْرِ، وَنَعِيمٌ في الآخرة؛ فَلَيْسَ النَّعِيمُ مَقْصُورًا على نَعِيمِ الآَخِرَةِ فَقَطْ، بل في الدُّورِ كُلِّهَا، وهل النَّعيمُإلاَّ نَعِيمَ القلب.

قوله: {وَإِنَّالْفُجَّارَلَفِيجَحِيمٍ} : الفُجَّارُ في جَحِيمٍ دَائِمٍ، عَيْشُهُمْ في عذابٍ؛ سَوَاءٌ في الدُّنيا أوالآخرة، فربَّما يكون كَثِيرُ الأموال شقيًّا وينتحر؛ لأنَّه في عَذَابٍ.

فَجَحِيمُهَا ليس مَقْصُورًا على الآخرة، بل في الدُّور كلِّها؛ في الدُّنْيَا، وفي القبر، وفي دار القرار.

وهل العَذَابُإلاَّ عَذَابَ القَلْبِ؟

قوله: {يَصْلَوْنَهَايَوْمَالدِّينِ} : أي يَدْخُلُونَهَا يَوْمَ الحساب.

قوله: {وَمَاهُمْعَنْهَابِغَائِبِينَ} :أي لا يخرجون منها.

قوله: {وَمَاأَدْرَاكَمَايَوْمُالدِّينِ} : هنا عَظَّمَ يَوْمَ الدِّين، وَهَوَّلَ مِنْ شَأْنِهِ؛ فهو لا يتصوَّره عَقْلٌ. قوله: {يَوْمَلَاتَمْلِكُنَفْسٌلِنَفْسٍشَيْئًا} :لا يَنْفَعُ أَحَدٌأَحَدًا. ولا يساعده لا قَرِيبٌ ولا بَعِيدٌ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت