منه؛ ليكونَ ذلك أَطْيَبَ لقلبه، وأقرَّ لعينه، وأشدَّ لطمأنينته؛ فإنَّه كان يحبُّها حبًّا شديدًا؛ لدينها وقرابتها منه، وحُسْنِهَا الباهر.
فإنَّه قد قيل: إنَّه لم تكن امرأةٌ بعد حوَّاءَ إلى زمانها أَحْسَنَ منها رضي الله عنها.
ولله الحمدُ والمِنَّةُ، فقال إبراهيمُ بعدما انصرف من صلاته: «مَهْيَمْ -أي: ما الخبر؟ - فقالت سارَّة ملخِّصةً ما حصل: ردَّ اللهُ كَيْدَ الكافر، وأخدم هاجر.
رَدَّ اللهُ كَيْدَ الكافر في نَحْرِهِ، أَشَعَرْتَ أنَّ اللهَ كَبَتَ الكافر وأخدم وليدةً؟ وهي الجارية.
قالأبو هريرة: «تِلْكَ أمُّكم يا بني ماء السَّماء» . يُخَاطِبُ أَبُو هريرة العَرَبَ يقول لهم: «تلك أمُّكم ... » هذه هاجرُ الَّتي كانت خادمةً وأُعْطِيَتْ خادمةً وجاريةً لسارَّةَ، ثمَّ وهبتها لزوجها إبراهيم؛ قال: «فتلك أمُّكم يا بني ماء السَّماء» .
لماذا يُطْلَقُ على العرب (بنو ماء السَّماء) ؟
لكثرة ملازمتهم للفَلَوَاتِ والصَّحاري؛ لأنَّ فيها مَوَاقِعَ القِطْرِ؛ وهو الماءُ النَّازلُ من السَّماء، يَغْشَوْنَ البراري لأَجْلِ رَعْيِ أغنامهم، ولذلك سُمُّوا ببني ماء السَّماء؛ لأنَّ عَيْشَهُمْ على ماء السَّماء.
وقوله تعالى: «تلك أمُّكم يا بني ماء السَّماء» . قيل: إنَّ العربَ كانوا مِنْ وَلَدِ إسماعيل، وهناك عَرَبٌ قَبْلَهُمْ، لكن هؤلاء العربُ المتأخِّرون كانوا من ولد إسماعيل.
وُلِدَ لَهُ مِنْ صُلْبِهِ وَلَدَانِ ذَكَرَانِ عَظِيمَانِ؛ إسماعيلُ من هاجر، ثمَّ إسحاقُ مِنْ سَارَّةَ، وَوُلِدَ له يَعْقُوبُ، وهو إسرائيلُ، الَّذي ينتسب إليه سَائِرُ أَسْبَاطِهِمْ، فكانت فيهم النُّبُوَّةُ وَكَثُرُوا جدًّا بحيث لا يَعْلَمُ عَدَدُهُمْ إلاَّ مَنْ بعثهم واختصَّهم بالرِّسالة والنُّبوَّة - سبحانهوتعالى - حتَّى ختموا بعيسى ابنِ مَرْيَمَ من بني إسرائيل.
وأمَّا إسماعيلُ - عليه السَّلامُ - فكانت منه العربُ على اختلاف قبائلها، كما سنبيِّنه فيما بعد أن شاء الله تعالى.
ولم يوجد من سلالته من الأنبياء سِوَى خاتمهم على الإطلاق، وسيِّدهم، وفخر بني آدم في الدُّنيا والآخرة محمَّد بن عبد الله بن عبد المطَّلب بن هاشم القرشيِّ الهاشميِّ المكِّيِّ ثمَّ المدنيِّ صَلَوَاتُ الله وسلامُه عليه.
فلم يوجد من هذا الفَرْعِ الشَّرِيفِ، والغُصْنِ المُنِيفِ سِوَى هذه الجوهرة الباهرة، والدُّرَّة الزَّاهرة، وواسطة العقد الفاخرة، وهو السَّيِّدُ الَّذي يفتخر به أهلُ الجمع، ويغبطه الأوَّلون والآخرون يوم القيامة.
وَقَدْ ثبت عنه في «صحيح مسلمٍ» أنَّه قال: «سَأَقُومُ مَقَامًا يَرْغَبُ إِلَيَّ الخَلْقُ كُلُّهُمْ، حَتَّى إِبْرَاهِيمُ» .
-فضائلُ إبراهيم عليه السَّلامُ:
{إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (120) شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (121) وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (122) ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (123) } .
{أمَّةٌ} أَيْ: قُدْوَةً إمامًا مهتديًا داعيًا إلى الخير، يُقْتَدَى به فيه.
{قَانِتًا لله} أي: خاشعًا له في جميع حالاته، وحركاته وسكناته.
{حَنِيفًا} أي: مخلصًا على بصيرة.
{وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (120) شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ} أي: قائمًا بشكر ربِّه بجميع جوارحه من قَلْبِهِ ولسانه وأعماله.
{اجْتَبَاهُ} أي: اختاره اللهُ لنفسه، واصطفاه لرسالته، واتَّخذه خليلًا، وجمع له بين خيري الدُّنيا والآخرة.
{وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى} وفَّى جميع ما أُمِرَ به، وقام بجميع خصال الإيمان وشُعَبِهِ، وكان لا يشغله مراعاةُ الأمر الجليل عن القيام بمصلحة الأمر القليل، ولا يُنْسِيهِ القيامُ بأعباء المصالح الكبار عن الصِّغار.